رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٧٥ - فصل
و الحداد و النجار، بل في دكان القصّاب أو السّمّان أو اللّبّان أو الدّبّاس، أو في السّماد[١] و السرقين. فإذا خلقها اللّه تعالى من تلك العفونات، امتصت ما فيها، و تغذّت بها، و صفا الهواء منها، و سلم من الوباء. ثم تكون تلك الحيوانات الصغار مأكولة، و أغذية لما هو أكبر منها، و ذلك من حكمة الخالق، جل جلاله، أنه لا يصنع شيئا بلا نفع و لا فائدة. فمن لا يعرف هذه النّعم، فربما يعترض على ربه فيقول: لم خلقها، و ما النفع فيها؟ كل ذلك جهلا منه و اعتراضا على ربه في أحكام صنعته و تدبيره في ربوبيته. و قد سمعنا بأن جهلة الإنس يزعمون بأن عناية الباري لم تتجاوز فلك القمر، فلو أنهم فكّروا و اعتبروا أحوال الموجودات، لعلموا و تبين لهم أن العناية شاملة لصغير الخلقة و كبيرها بالسويّة، و لما قالوا الزور و البهتان في حق اللّه تعالى، تعالى اللّه عما يقول الظالمون، علا علوّا كبيرا. أقول قولي هذا، و أستغفر اللّه لي و لكم.
فبهذا انقضى الكلام من الرسل.
فصل
و لما كان الغد وردت زعماء الحيوانات من الآفاق، و قعد الملك لفصل القضاء، و نادى المنادي ألا من له مظلمة، ألا من له حكومة، فليحضر، فإن الحاجات تقضى لأن الملك قد جلس لفصل القضاء، و حضرت قضاة الجن و فقهاؤها و عدولها و حكامها و حكماؤها، و حضرت الطوائف الواردة من الآفاق من الجن و الإنس و الحيوانات، فاصطفت يمنة و يسرة أمام الملك، ودعت له بالتحية و السلام.
ثم نظر الملك يمنة و يسرة، فرأى من أجناس الحيوانات، و اختلاف
[١] -السماد: السرقين برماد، و السرقين الزبل.