رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٨٨ - فصل
منطقية و دلائل عقليّة بأن عالم الأفلاك و جواهر أشخاصها لا تتمزج بعضها ببعض، و لا تختلط أجزاؤها، و لا يتكوّن منها شيء غيرها، بل هي باقية بما هي عليه الآن بطول الأزمان و الدهور، و أنها أيضا لا تتغيّر و لا تفسد و لا تستحيل ما دامت لها هذه الحركة الدّوريّة و الأشكال الكرويّة، إلّا أن يشاء باريها و مبدعها و خالقها أن يبطلها دفعة واحدة، أو على التدريج، أو يوقفها عن الدوران و هو أهون عليه: «وَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ، وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ».
و اعلم أن وقوف الأفلاك عن الدّوران هو موت العالم و بطلان حياة الكلّ، و مفارقة النفس الكلّية الفلكية عن الأجسام كلّها دفعة واحدة، و تلك هي القيامة الكبرى و البوار الكليّ و بطلان الجملة، لأن موت كلّ شخص من أشخاص الحيوانات هو مفارقة نفسه جسده، و هي قيامته، كما قال رسول اللّه، صلى اللّه عليه و آله: «من مات فقد قامت قيامته.» و قد بيّنا في رسالة لنا أن العالم إنسان كبير، ذو جسم و نفس و حياة و علم، فاعرف حقيقة ما ذكرناه من هناك.
ثم اعلم يا أخي أن استحالة الكائنات الفاسدات التي تحت فلك القمر هي خمسة أنواع، فمنها استحالة الأركان الأربعة بعضها إلى بعض، كما بيّنا طرفا من كيفيّة ذلك في رسالة الكون و الفساد؛ و منها حوادث الجو و تغييرات الهواء، كما بيّنا طرفا منها في رسالة الآثار العلوية، و منها استحالة الكائنات الفاسدات التي تتكون و تنعقد في باطن الأرض و عمق البحار و جوف الجبال، و هي الجواهر المعدنية، كما سنبيّن طرفا من كيفيتها في هذه الرسالة؛ و منها استحالة النبات و الأشجار، و هو كل جسم يتغذّى و ينمو كما بيّنا طرفا منها في رسالة النبات؛ و منها استحالة الحيوان، و هو كل جسم متحرك حسّاس، كما بيّنا طرفا منها في رسالة الحيوانات بعد ذكر النبات.
و اعلم أن هذه الأشياء التي ذكرنا أنها تتكون و تحدث و تتغيّر و تفسد