رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٦٤ - فصل
الجبال، و مفازات التلال، و عمق الأرض فيخرجون منها الجواهر المعدنية، و الذهب، و الفضة، و الحديد، و النّحاس و غير ذلك. و هكذا بالعلم و الحيلة، إذا نصب أحدهم على ساحل بحر، أو على شط جزيرة، أو على شرعة نهر طلّسما، أو صنما، أو لعبة لم تقدر عشرة آلاف منكم، يا معشر التنانين و الكواسج و التماسيح، أن تجتاز هناك، أو تقرب من ذلك المكان. و لكن ليس، أيها الملك، بحضرة ملك الجنّ إلّا العدل و الإنصاف في الحكومة، و الحجّة البيّنة، لا بالقهر و الغلبة و المكر و الحيلة.
و لما سمع التنين مقالة الرسول، قال لمن حوله من جنوده: أ لا تسمعون؟
ما ذا ترون، و أي شيء تقولون؟ أيكم يذهب إلى هناك فيناظر الإنس، و ينوب عن الجماعة من إخوانه و أبناء جنسه؟
قال له الدّلفين منجّي الغرقى: الحوت أولى حيوان البحر بهذا الأمر، هو لأنه أعظمها خلقة، و أكبرها جسما، و أحسنها صورة، و أنظفها بشرة، و أنقاها بياضا، و أملسها بدنا، و أسرعها حركة، و أشدها سباحة، و أكثرها عددا و نتاجا، و من كان من أبناء جنسها من السموك، حتى إنه قد امتلأت منها البحار و الأنهار، و البطائح و العيون، و الجداول و السواقي صغارا و كبارا.
و للحوت أيضا يد بيضاء عند بني آدم حيث أجار نبيّا لهم، و آواه في بطنه، و ردّه إلى مأمنه. و الإنس أيضا يرون و يعتقدون أن مستقر الأرض على ظهر الحوت.
قال التنين للحوت: ما ذا ترى فيما قال الدّلفين؟
قال: صدق في كل ما قال، و لكن لا أدري كيف أذهب إلى هناك، و كيف أخاطبهم و ليس لي رجلان أمشي بهما، و لا لسان ناطق، و لا صبر لي عن الماء ساعة واحدة. و لكن أرى أن السّلحفاة يصلح لهذا الأمر، لأنه يصبر عن الماء، و يرعى في البر و يعيش، كما يعيش في البحر، و يتنفس في الهواء، كما يتنفس في الماء، و هو مع هذا قوي البدن، صلب الظهر، جيّد العضو،