رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٢ - فصل في أقاويل الحكماء في ماهية المكان
فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ، مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ، ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ» الآية.
فصل في أقاويل الحكماء في ماهية المكان
أما المكان عند الجمهور فهو الوعاء الذي يكون فيه المتمكّن، فيقال:
إن الماء مكانه الكوز الذي هو فيه، و إن الخلّ مكانه الزّقّ الذي هو فيه، و على هذا القياس مكان كلّ شيء هو الوعاء الذي هو فيه، و كما يقال إن مكان السمك هو الماء، و مكان الطير هو الهواء؛ و بالجملة مكان كل متمكّن هو الجسم المحيط به. و قبل أيضا إن المكان هو سطح الجسم الحاوي الذي يلي المحويّ، و قيل لا بل المكان هو سطح الجسم المحويّ الذي يلي الحاوي، و على كل الرأيين و القولين يجب أن يكون المكان جوهرا. و قيل إن المكان هو الفصل المشترك بين سطح الجسم الحاوي و سطح المحويّ، و على هذا الرأي يجب أن يكون المكان عرضا. و قيل أيضا إن المكان هو الفضاء الذي يكون فيه الجسم ذاهبا طولا و عرضا و عمقا، و إن كان كلّ جسم مثله سواء، فإن كان الجسم مدوّر الشكل أو مربّعا أو مثلّثا أو غيرها من الأشكال، فإن مكانه مثله سواء لا أصغر و لا أكبر، حتى قيل في المثل إن المكان مكيال الجسم، و على هذا الرأي يجب أن يكون المكان جوهرا.
و اعلم أن الذين قالوا إن المكان هو الفضاء، إنما نظروا إلى صورة الجسم، ثم انتزعوها من الهيولى بالقوّة الفكرية، و صوّروها في نفوسهم، و سمّوها الفضاء، و إذا نظروا إليها و هي في الهيولى سمّوها المكان، و هذا يدلّ على قلّة معرفتهم أيضا بجوهر النفس و كيفيّة معارفها و معانيها.
و اعلم أن من شرف جوهر النفس، و عجائب قواها، و ظرائف معارفها، أنّها تنتزع صورة المحسوسات من هيولاها، و تصوّرها في ذاتها، و تنظر إليها خلوا