رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٦٢ - فصل
فصل
فلما فرغ الببغاء من كلامه، قال الملك لمن حوله من حكماء الجنّ و الإنس: أخبروني من الذي يحمل إلى الأرضة ذلك الطين الذي تبني به على نفسها تلك الآزاج[١] و العقود شبه الرّواق و الدهاليز، و هي دابّة ليس لها رجلان تعدو بهما، و لا جناحان تطير بهما.
فقال الحكيم الخبير من العبرانيين: نعم أيها الملك سمعنا أن الجن تحمل إليها ذلك الطين مكافأة لها على ما أسدت إليها من الإحسان في اليوم الذي أكلت منشأة[٢] سليمان بن داود، ٧، فخرّ، و علمت الجن بموته فهربت، و نجت من العذاب الأليم.
فقال الملك لمن حوله من علماء الجن: ما ذا تقولون فيما ذكر الإنسي؟
فقالوا: لسنا نعرف هذا الفعل من الجن، لأنه لو كانت الجن تحمل إليها التراب و الطّين و الماء، فهي بعد إذا في العذاب المهين. لأن سليمان لم يكن يسومها شيئا غير حمل الماء و التراب في اتخاذ البنيان.
فقال الحكيم اليوناني: عندنا أيها الملك من ذلك علم هو غير ما ذكر هذا العبراني.
فقال الملك: أخبرني ما هو؟
قال: نعم، اعلم أيها الملك أن هذه الدابّة دابّة ظريفة الخلقة، عجيبة الطبيعة. من ذلك أن طبيعتها باردة جدّا، و بدنها متخلخل منتفخ المسامّ، يتداخلها الهواء، و يتجمد من شدة برد طبيعتها، و يصير ماء و يرشح على ظاهر بدنها، و يقع عليها غبار الهواء دائما، فيبتلّ و يجتمع شبه الوسخ، فهي تجمع ذلك من بدنها، و تبني على نفسها تلك الآزاج كنّا لها من الآفات. و لها
[١] -الآزاج: جمع الازج، و هو البيت يبنى طولا.
[٢] -المنسأة، بكسر الميم و فتحها: العصا.