رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٣٩ - فصل في بيان تبليغ الرسالة
فصل في بيان تبليغ الرسالة
ثم بعد ذلك رتّبوا الرّسل، و بعثوا إلى كل واحد منهم. فلما وصل الرسول إلى أبي الحرث الأسد ملك السباع، و عرّفه الخبر، و قال له إن زعماء البهائم و الأنعام مجتمعون مع زعماء الإنس عند ملك الجن للمناظرة، و قد بعثوا إلى سائر أجناس الحيوانات يستمدّون منها، و بعثوني إليك لترسل معي زعيما من جنودك من السّباع ليناظر و لينوب عن الجماعة من أبناء جنسه، إذا دارت النّوبة في الخطاب إليه.
فقال الملك للرسول: و ما ذا يزعم الإنس و ما يدّعون على البهائم و الأنعام؟
قال الرسول: يزعمون أنها عبيد لهم و خول، و أنهم أرباب لها و لسائر أجناس الحيوانات التي على وجه الأرض.
قال الأسد: و بما ذا يفتخر الإنس عليها و يستحقّون الربوبية؟ أ بالقوة و الشجاعة و الجسارة، أم بالحملات و الوثبات، أم بالقبض و الإمساك بالمخالب، أو بالقتال و الوقوف في الحرب، أم بالهيبة و الغلبة؟ فإن كانوا يفتخرون بواحدة من هذه الخصال جمعت جنودي، ثم ذهبنا حتى نحمل عليهم حملة واحدة، و نفرّق جمعهم و نشتّت شملهم.
قال الرسول: لعمري إن من الإنس من يفتخر بمثل هذه الخصال التي ذكرها الملك، و لهم مع ذلك أعمال و صنائع و حيل و مرافق و مكايد لاتخاذ السلاح من السيوف و الرّماح الرّدينيّات و الحواب و السكاكين و النّشّاب و القسيّ و الجنن، و الاحتراز من مخالب السباع و أنيابها باتّخاذ لباس اللّبود و الجواشن و الفرغندات و الدّروع و الخوذ و الزّرد مما لا تنفذ فيها أنياب السباع و لا تصل إليها مخالبها. و لهم، مع ذلك، حيل أخرى في أخذ السباع و الوحوش من الخنادق المحفورة و الزّبيات[١] المستورة،
[١] -الزبيات: جمع زبية، و هي حفرة تحفر لصيد الاسد.