رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٧٢ - فصل
و أما التي تهبّ من فوق إلى أسفل، فمنها الرّيح الصّرصر التي أهلكت عادا، و ذلك أنها نفخت عليهم غربيّ ديارهم من خلل الغيم من كرة الزّمهرير التي فوق كرة النسيم ثمانية أيام و لياليها، كما ذكر اللّه تعالى. و إذ ذكرنا ماهية الريح و كمية أنواعها، و جهات هبوبها، فإنا نريد أن نذكر علّة تصاريفها في الجهات، و ما الغرض منها، و ذلك أن أحد الأغراض من تصاريفها هو أن تسوق الغيم من سواحل البحار إلى البلدان البعيدة و البراري المقصودة بها؛ و أيضا فإن أحد الأغراض من الجبال الشامخة الطوال المسطوحة على بسيط الأرض شرقا و غربا و جنوبا و شمالا هو أن تمنع الرياح من سوق السّحاب إلى غير البلدان و البراري المقصودة بها. و ذلك أن هذه الجبال الراسيات تقوم لمنع الرياح أن تنصرف إلى كل الجهات إلّا الجهة المقصودة بها، مقام المسنيّات و البريدات للأنهار و السواقي المانعة لها أن تفيض المياه إلّا إلى المزارع و المواضع المقصودة بها. و ذلك أن كثيرا من البلدان و البراري بعيدة من سواحل البحر، و لو لم تكن هذه الجبال الطوال الشامخة، المانعة للرياح، السائقة للغيوم، لما وصلت السحاب و الأمطار إلى تلك البلدان و البراري، كما أن الأنهار و السواقي إذا لم تكن لها مسنيات و بريدات فاضت إلى الآجام و الغدران و البطائح، حيث يقلّ الانتفاع بها، فلا تبلغ إلى البلدان البعيدة إلّا بأنهار تحفر و بريدات تعمل. و لهذه الجبال الشامخة غرض آخر، و ذلك أن في أجوافها مغارات و أهويّة واسعة، فإذا هطلت في الشتاء في رءوسها الأمطار و الثلوج، و ذابت، غاضت المياه في تلك المغارات و الأهوية، و صارت فيها كالمخزونة. و في أسفل تلك الجبال منافذ ضيقة تخرج منها المياه المخزونة في تلك المغارات و الأهوية و هي العيون، و تجري منها جداول، و تجتمع بعضها إلى بعض، و تسيل منها أودية و أنهار تجري بين المدن و القرى و السوادات، فتسقي، و هي راجعة إلى البحار و الآجام و الغدران في ممرّها، الزّروع و الأشجار و مواضع العشب و الكلإ؛ و ما