رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٧٤ - فصل
أجزاء البخار الرّطب بعضها إلى بعض، و صار ما كان دخانا يابسا ريحا، و ما كان بخارا رطبا ماء و أنداء. ثم تلتئم تلك الأجزاء المائية بعضها إلى بعض، و تصير قطرا بردا؛ و تثقل فتهوي راجعة من العلو إلى السّفل، فتسمّى حينئذ مطرا. فإن كان صعود ذلك البخار الرّطب بالليل، و الهواء شديد البرد، منع أن تصعد البخارات في الهواء، بل جمّدها أوّلا فأوّلا، و قرّبها من وجه الأرض فيصير من ذلك ندّى و صقيع و طلّ. و ان ارتفعت تلك البخارات في الهواء قليلا، و عرض لها البرد، صارت سحابا رقيقا، و إن كان البرد مفرطا جمّد القطر الصّغار في حلل الغيم، فكان من ذلك الجليد أو الثلج؛ ذلك أن البرد يجمّد الأجزاء المائية، و يختلط بالأجزاء الهوائيّة، فينزل بالرّفق، فمن أجل ذلك لا يكون لها على وجه الأرض وقع شديد، كما يكون للبرد و المطر. فإن كان الهواء دفيئا ارتفع البخار في العلو، و تراكم السّحاب طبقات بعضها فوق بعض، كما يرى في أيام الربيع و الخريف، كأنها جبال من قطن مندوف، متراكمة بعضها فوق بعض. فإذا عرض لها برد الزمهرير من فوق، غلظ البخار و صار ماء، و انضمّت الأجزاء بعضها إلى بعض، و صارت قطرا، و إذا عرض لها الثقل أخذت تهوي من أعلى سمك السحاب، ثم تتراكم و تلتئم تلك القطر الصّغار بعضها إلى بعض، حتى إذا خرجت من أسفلها، صارت مطرا كبيرا. فإن عرض لها برد مفرط في طريقها جمدت و صارت بردا قبل أن تبلغ إلى الأرض، فما كان منها من أعلى السحاب هو الذي يصير بردا، و ما كان من أسفل السّحاب كان مطرا مختلطا مع البرد.
و من أحبّ أن يعلم صدق قولنا، و يتصوّر كيفيّة وصفنا صعود البخارين، و كيفيّة تأليف السّحاب منها و نزول القطر، فلينظر إلى تصعيدات المياه و تقطيرها، و كيف يعمل منها أصحابها مثل تصعيد ماء الورد و الخلّ المصعّد،