رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٨٠ - فصل
فصل
و اعلم أيها الأخ، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، بأن الجواهر المعدنية هي في أدون مراتب الموّلدات من الكائنات، و هي كل جسم متكوّن منعقد من أجزاء الأركان الأربعة التي هي النار و الهواء و الماء و الأرض، و أن النبات يشارك الجواهر في كونها من الأركان، و يزيد عليها و ينفصل منها بأن كل جسم يتغذّى من الأركان و ينمو و يزيد في أقطارها الثلاثة طولا و عرضا و عمقا، و أن الحيوان أيضا يشارك النبات في الغذاء و النموّ، و يزيد عليه و ينفصل عنه بأنه جسم متحرّك حساس. و الإنسان يشارك النّبات و الحيوان في أوصافها و يزيد عليها و ينفصل عنها بأنه ناطق مميّز جامع لهذه الأوصاف كلّها.
فصل
ثم اعلم يا أخي بأن النبات متقدّم الكون و الوجود على الحيوان بالزمان، لأنه مادّة لها كلّها، و هيولى لصورها، و غذاء لأجسادها، و هو كالوالدة للحيوان، أعني النبات. و ذلك أنه يمتصّ رطوبات الماء و لطائف أجزاء الأرض بعروقه إلى أصوله، ثم يحيلها إلى ذاته، و يجعل من فضائل تلك المواد ورقا و ثمارا و حبوبا نضيجا، و يتناول الحيوان غذاء صافيا هنيئا مريئا كما تفعل الوالدة بالولد فإنها تأكل الطعام نضيجا و نيئا، و تناول ولدها لبنا خالصا سائغا للشاربين. فلو لم يكن النبات يفعل ذلك من الأركان لكان يحتاج الحيوان إلى أن يتغذّى من الطين صرفا، و من التراب سفّا، و يكون منغّصا في غذائه و ملاذّه. فانظر يا أخي، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، إلى معرفة حكمة الباري، جلّ ثناؤه، كيف جعل النبات واسطة بين الحيوان و بين الأركان، حتى يتناول بعروقه لطائف الأركان و عصاراتها و يهضمها و ينضجها و يصفّيها، و يناول الحيوان من لطائف لبابها و حبوبها و قشورها و ورقها