رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٩٤ - فصل
الأمطار و السيول تحطّ تلك الصخور و الرّمال إلى بطون الأودية و الأنهار، و يحمل ذلك شدّة جريانها إلى البحار و الغدران و الآجام. و إن البحار، لشدة أمواجها و شدة اضطرابها و فورانها، تبسط تلك الرمال و الطين و الحصى في قعرها سافا على ساف بطول الزمان و الدهور، و يتلبّد بعضها فوق بعض، و ينعقد و ينبت في قعور البحار جبالا و تلالا، كما تتلبّد من هبوب الرياح أدعاص[١] الرمال في البراريّ و القفار.
و اعلم يا أخي أنه كلما انطمّت قعور البحار من هذه الجبال و التلال التي ذكرنا أنها تنبت، فإن الماء يرتفع و يطلب الاتساع، و ينبسط على سواحلها نحو البراري و القفار، و يغطيها الماء، فلا يزال ذلك دأبه بطول الزمان، حتى تصير مواضع البراري بحارا، و مواضع البحار يبسا و قفارا، و هكذا لا تزال الجبال تنكسر و تصير أحجارا و حصى و رمالا، تحطّها سيول الأمطار، و تحملها إلى الأودية و الأنهار بجريانها حتى البحار، و تنعقد هناك كما وصفنا، و تنخفض الجبال الشامخة، و تنقص و تقصر حتى تستوي مع وجه الأرض.
و هكذا لا يزال ذلك الطين و الرمال تنبسط في قعر البحار، و تتلبّد و تنبت عنها التّلال و الروابي و الجبال، و ينصبّ من ذلك المكان الماء حتى تظهر تلك الجبال و تنكشف هذه التّلال، و تصير جزائر و براري، و يصير ما يبقى من الماء في وهادها و قعورها بحيرات أو آجاما أو غدرانا، و ينبت فيها القصب و الأوحال، فلا تزال السيول تحمل إلى هناك الطين و الرمال و الوحول، حتى تجفّ تلك المواضع و تنبت هناك الأشجار و العكرش[٢] و العشب، و تصير مواضع للسباع و الوحوش؛ ثم يقصدها الناس لطلب المنافع و المرافق من الحطب و الصيد و غيرها. و تصير مواضع الزروع
[١] -الادعاص: جمع دعص، و هو الكثيب من الرمل.
[٢] -العكرش: نبات من الحمض آفة للنخل ينبت في أصله فيهلكه، أو نبات منبسط على الأرض له زهر دقيق و بزر، و طعم كالبقل.