رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٩٣ - فصل
حقيقة ما قلناه و صحة ما ذكرناه الناظرون في علم الطبيعيّات و الإلهيات، الباحثون عن علل الكائنات الفاسدات التي تحت مقعد فلك القمر و كيفيّة تغييراتها، و لكن نريد أن نصف طرفا من كيفيّة تكوين الجبال في البحار، و كيف يصير الطين الليّن أحجارا، و كيف تنكسر الأحجار فتصير منها[١] حصى و رملا، و كيف تحملها سيول الأمطار إلى البحار في جريان الأودية و الأنهار، و كيف ينعقد من ذلك الطين و الرمال في قعور البحار حجارة و جبالا.
و اعلم يا أخي أن البحار هي كالمستنقعات على وجه الأرض، فإن الجبال منها كالمسنّيات[٢] و البريدات[٣] لها لتفصل البحار بعضها من بعض، و لئلا يكون وجه الأرض كلّه مغطّى بالماء، و ذلك أنه لو تكن الجبال على وجه الأرض، و كان وجهها مستديرا ملسا، لكانت مياه البحار تنبسط على وجهها و تغطّيها من جميع جهاتها، و تحيط بها كإحاطة كرة الهواء بالأرض كلّها، و كان وجه الأرض كلّه بحرا واحدا، و لكن العناية الإلهية و الحكمة الربّانيّة قد قضت أن يكون وجه الأرض بعضه مكشوفا ليكون مسكنا لحيوان البرّ، و بعضه لمنابت العشب و الأشجار و الزروع، إذ كانت هذه غذاء الحيوانات و مادة لأجسادها «ذلك تقدير العزيز العليم».
و اعلم يا أخي أن الأودية و الأنهار كلّها تبتدئ من الجبال و التّلال، و تمرّ في مسيلها و جريانها نحو البحار و الآجام و الغدران، و أن الجبال من شدة إشراق الشمس و القمر و الكواكب عليها بطول الأزمان و الدهور، تنشف رطوباتها، و تزداد جفافا و يبسا، و تنقطع و تنكسر، و خاصّة عند انقضاض الصواعق، و تصير أحجارا و صخورا أو حصى و رمالا. ثم إن
[١] -منها: أي من العلل أو التغييرات.
[٢] -المسنيات: جمع المسناة، و هي ما يبني للسيل ليرد الماء.
[٣] -البريدات: جمع البريد، اي الحاجز الثابت.