رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٩٥ - فصل
مجاري ثقب رأسه في حال اليقظة، تشبه مدينة عامرة مأنوسة لساكنها قد فتحت أبوابها و سلكت طرقاتها، و قعد تجارها، و اشتغل صنّاعها، و سعى متعيشوها، و تحرّكت حيوانها، و سمع منها دويّ حيواناتها.
و إن حال هذا الجسد في وقت النوم، و هدوء الحواسّ، و سكون الحركات، تشبه حال تلك المدينة بالليل إذا أغلقت أسواقها، و تعطّل صنّاعها، و خلت طرقاتها، و نام أهلها، و سكنت حركاتهم، و هدأت أصواتهم.
و أيضا حال الجسد، عند مفارقة النفس له، تشبه حال تلك المدينة، إذا رحل عنها أهلها، و خلت من ساكنيها، و باد جيرانها، و بقيت خرابا، و صارت مأوى للسباع و البوم، ثم تساقطت حيطانها، و خرّت سقوفها، و صارت تلالا و روابي لا تبين فيها إلّا الحجارة و الآجرّ و الطين و التراب. كذلك حال الجسد عند الموت الذي هو فراق النفس إياه، و هو فراق لا يكون الوصل بعده، و لنعم ما قيل: ما من صباح يصبح العباد فيه إلّا و ملك ينادي كل يوم: لدوا للموت و ابنوا للخراب! ثم إن الجسد يتغير و ينتفخ و يصير مأوى الديدان و الذّباب و النمل، ثم يبلى و يصير ترابا لا يتبين إلّا العظام و العصب، تلوح كما تلوح الحجارة في تلك المدينة و آجرّها «مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى» «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ، وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ».
وفقك اللّه و إيانا و جميع إخواننا للسّداد، و هداك و إيانا سبيل الرشاد، إنه رءوف رحيم بالعباد.
تمت رسالة تركيب الجسد و يتلوها رسالة الحاس و المحسوس