رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٩٧ - فصل
و الثالث طريق البرهان الذي يتفرّد به قوم من العلماء دون غيرهم من الناس، و تكون معرفتهم بها بعد النظر في الرياضيات الهندسيّة و المنطقية.
و قد بينّا لم صارت طرق العلوم ثلاثة في آخر هذه الرسالة، و نريد أن نذكر الآن طرق الحواس الخمس، و نصف كيفية إدراك القوى الحساسة لمحسوساتها، و لكن قبل ذلك ينبغي أن نذكر الأمور المحسوسة التي هي كلها أعراض جسمانية، و بها يكون الجسم محسوسا، و نضبط أيضا كيفيّاتها، لأنها أبين و أوضح و أقرب من فهم المبتدئين المتعلمين. ثم نذكر بعد ذلك النفس و قواها الحساسة التي هي كلها أمور روحانية لطيفة غامضة، بعيدة عن فهم المبتدئين بالنظر في العلوم و المعارف الحقيقية فنقول:
اعلم، وفقك اللّه، أنه لما كانت الأمور المحسوسة كلّها أعراضا جسمانية داخلة عليه، بعد كونه جسما، احتجنا أن نذكر الجسم المطلق، و نصفه بما هو جسم حسب، ثم نذكر بعد ذلك الأعراض الداخلة التي هي كلها صفات زائدة على كونه جسما، فنقول: إن الجسم جوهر مركّب من الهيولى و الصورة حسب. و الدليل على ذلك قول العلماء في حدّ الجسم: هو الشيء الطويل العريض العميق. و الشيء هو الجوهر، و هو الهيولى. و الطول و العرض و العمق هي الصور. و الجسم بهذه الصفات يكون جسما، لا بأنه جوهر، لأن النفس و العقل أيضا هما جوهران لا يوصفان بالطول و العرض و العمق، فهذا أحد الفروق بين الجواهر الجسمانية و الجواهر الروحانية.
ثم اعلم أن كل صفة يوصف بها الجسم، بعد الطول و العرض و العمق، هي صفات زائدة داخلة عليه بعد كونه جسما، و تسمى الصورة المتمّمة. مثال ذلك قول الحكماء إن الجسم لا ينفك عن الحركة و السكون و الاجتماع و الافتراق، و أن يكون مظلما أو مضيئا، و أن يكون مشفّا أو غير مشفّ، و أن يكون حارّا أو باردا، أو أن يكون رطبا أو يابسا، و أن يكون خفيفا أو ثقيلا، و أن يكون صلبا أو رخوا، و أن يكون خشنا أو