رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٢٣ - فصل في بيان تفضيل الخيل على سائر البهائم و غيرها
فقال: أ لا تسمعون شكاية هذه البهائم و الأنعام و ما يصفون من جور بني آدم عليها و ظلمهم لها و تعدّيهم عليها و قلّة رحمتهم بها؟
قالوا: قد سمعنا كل ما قالوا، و هو حقّ و صدق و مشاهد منهم ليلا و نهارا، لا يخفى على العقلاء ذلك. و من أجل ذلك هربت بنو الجانّ من بين أيديهم و ظهرانيهم إلى البراري و القفار و المفاوز و الفلوات و رءوس الجبال و التّلال و بطون الأودية و سواحل البحار، لما رأوا من قبيح أفعالهم، و سوء أعمالهم، و رداءة أخلاقهم، و تركت أن تأوي ديار بني آدم. و مع هذه الخصال كلّها لا يتخلّصون من سوء ظنهم و رداءة أخلاقهم و اعتقادهم في الجن، و ذلك أنهم يقولون و يعتقدون أن للجن في الإنس نزغات[١] و خبطات[٢] و فزعات في صبيانهم و نسائهم و جهّالهم، حتى إنهم يتعوّذون من شر الجن بالتعاويذ و الرّقى و الأحراز و التمائم و ما شاكلها. و لم يروا قط جنّيّا قتل إنسيّا، أو جرحه، أو أخذ ثيابه، أو سرق متاعه، أو نقب داره، أو فتق جيبه أو بتركّمه، أو فشّ قفل[٣] دكانه، أو قطع على مسافر، أو خرج على السلطان، أو أغار غارة، أو أخذ أسيرا، و كلّ هذه الخصال توجد فيهم و منهم بعضا لبعض، ليلا و نهارا، ثم لا يتوبون و لا هم يذكرون.
فلما فرغ القائل من كلامه نادى مناد: ألا أيها الملأ أمسيتم، فانصرفوا إلى مساكنكم مكرّمين لتعودوا غدا آمنين!
[١] -نزغات: وسوسات.
[٢] -خبطات: اذيّات، من خبطه الشيطان اذا صرعه و مسه بأذى.
[٣] -فش القفل: فتحه بغير مفتاحه حيلة و مكرا.