رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٦٩ - فصل في بيان خطبة الصرصر و حكمته
بوحدانيته و أسرار غيبه، حين لا سماء مبنيّة، و لا أرض مدحيّة. فسبحان الظاهر بالنسبة إلى ذاته لكل شيء، و الخفيّ بالنسبة إلى ذاته عن كلّ شيء.
ثم قضى و دبّر، و قدّر كما شاء قدّر، و أراد ثم أبدع نورا بسيطا لا من هيولى متهيئة، و لا من صورة متوهّمة، بل بقوله: كن فكان، فهو العقل الفعّال ذو العلم و الأسرار، خلق الخلائق لا لوحشة كانت في وحدته، و لا لاستعانة بها على أمر من أموره، و لكن يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد، لا معقّب لحكمه، و لا مردّ لقضائه، و هو السريع الحساب.
ثم قال: أيها الملك المشفق الرحيم، الرؤوف المتحنن على هذه الطوائف، لا يغمّك ما ترى من ضعف أبدان هذه الطوائف، و صغر جثتها و عمرها، و فقرها و قلّة حيلتها، فإن اللّه الذي هو خالقها و رازقها هو أرحم الراحمين بها و عليها من الوالدة المشفقة على أطفالها، و من الأب الرحيم على أولاده، و ذلك أن الخالق، جلّ ثناؤه، لما خلق الحيوانات المختلفة الصورة مفنّنة الأشكال، و رتبها مراتبها على منازل شتى ما بين كبير الجثة، عظيم الخلقة، قوي البنية، شديد القوة؛ و ما بين صغير الجثة، ضعيف البنية، قليل الحيلة، ساوى بينهما في المواهب الجزيلة من الآلات و الأدوات التي تتناول بها المنافع، و تدفع بها المضرّات، فصارت متكافئة في العطية، مثال ذلك أنه لما أعطى الفيل الجثة العظيمة، و البنية القوية، و القوة الشديدة، ليدفع المكاره عن نفسه بأنيابه الطوال الصلاب، و يتناول المنافع بخرطومه الطويل، أعطى أيضا البقّة الصغيرة الجثة الضعيفة البنية عوضا من ذلك، الجناحين اللطيفين، و سرعة الطيران، فتنجو من المكاره و تتناول الغذاء بخرطومها، فصار الصغير و الكبير في هذه المواهب التي تجرّ بها المنفعة و تدفع بها المضرة، متساوية.
فهكذا ثمر الخالق الباري، و المصوّر لهذه الطوائف الضعفاء الفقراء، اللواتي تراها عراة حفاة حسرى. و ذلك أن الباري، جلّ ثناؤه، لما خلقها على هذه الأحوال التي تراها، كفاها أمر مصالحها من جر المنفعة، أو دفع المضرّة عنها.