رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٧٠ - فصل في بيان خطبة الصرصر و حكمته
فانظر أيها الملك و تأمّل و اعتبر أحوالها، فإنك ترى ما كان أصغر منها جثّة، و أضعف بنية، و أقل حيلة، كان أروح بدنا، و أربط جأشا، و أسكن روعا في دفع المكاره عن غيرها، و كان أطيب نفسا، و أقلّ اضطرابا. في طلب المعاش و جرّ المنافع، و أخفّ مؤونة مما هو أعظم جثة، و أقوى بنية، و أكثر حيلة.
بيان ذلك أنك ترى إذا تأملت، وجدت الكبار منها، القوية البنية، الشديدة القوّة، تدفع عن نفسها المكاره بالقهر و الغلبة و القوّة و الجلد، كالسباع و الفيلة و الجواميس و أمثالها، و سائر الحيوانات الكبيرة الجثة، العظيمة الخلقة، الشديدة القوّة. فمنها ما تدفع عن نفسها المكاره و الضّرر بالفرار و الهرب و سرعة العدو، كالغزلان و الأرانب و غيرها من حمر الوحش. و منها بالطيران و التخلّف بالجو، كالطيور. و منها بالغوص في الماء و السباحة فيه.
و منها ما تدفع المكاره و المضار بالتحصن و الاختفاء في الأحجرة و الثّقب، كالفأرة و النمل كما قال تعالى: «ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ» و قيل: لما سمع سليمان، ٧، ذلك، أمر بإحضار النملة. فلما دخلت قالت: سلام عليك يا نبي اللّه، اني وقعت فيما احترزت منه. فتعجّب سليمان من قولها. فلما وضعها على كفه، سأل النملة: لما ذا قلت ليحطمنّكم سليمان و جنوده؟ أ لست تدرين أني لا أظلم أحدا، و لا أرضى أن تظلم جنودي؟ فلو سمعت من هذا شيئا فأخبريني. و لما ذا قلت إني وقعت فيما احترزت منه، أ لست تعلمين أني لست بجائر و لا ظالم على خلق اللّه تعالى، فلم قلت هذا؟
قالت النملة: معاذ اللّه انّي أريد بتلك الإشارات حسبما فهمت، لكني أريد بذلك أن اللّه أعطاك ملكا لا يكون لأحد من بعدك من الزينة و العدل و الانصاف، و ناديت من أجل أنهم لا يخرجون من البيوت و لا يشتغلون بالنظارة، ليفوت عنهم ذكر اللّه تعالى. أردت بذلك الإشارة إلى هذا المعنى. و منها ما