رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤١٣ - فصل في ماهية اللذة و الألم و التعب و الراحة و كيفية إدراك الحواس
فصل في ماهية اللذة و الألم و التعب و الراحة و كيفية إدراك الحواس
فنقول: اعلم أن الحيوانات في دائم الأوقات لا تخلو من اللذة و الألم و التعب و الراحة، لأن أبدان الحيوانات مركّبة من مزاج الأمهات الأربع، و هي الأخلاط الأربعة، و هي متضادّات الطباع من الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة، و هي كلها في التغيير و الاستحالة بين الزيادة و النقصان، و هما يخرجان المزاج تارة من الاعتدال إلى الزيادة في أحد الأخلاط و الطباع، أو إلى النقصان في واحد منها، و اللذة هي رجوع المزاج إلى الاعتدال بعد ما كانت خارجة عنه. فمن أجل هذا لا يحس الحيوان باللذة إلّا بعد ما يتقدمها ألم.
و اعلم أن كل محسوس يخرج المزاج من الاعتدال، فإن الحاسة تكرهه و تتألم منه. و كل محسوس يردّ المزاج إلى الاعتدال، فإن الحاسة تحبه و تلتذ به.
ثم اعلم أن الراحة هي الثبات على الصحة و الاعتدال، و أن التعب هو التردد بين الألم و اللذة.
ثم اعلم أن من نظر في هذه الرسالة و تفكر فيما وصفنا من كيفية أحوال هذه الحواس و المحسوسات، تبين له أن المحسوسات كلّها أعراض جسمانية، و هي صور في الهيولى، و أن إدراك النفس لها بقواها الخمس الحساسة بطريق الحواس؛ و أن الحواس هي آلات جسدانية؛ و أن الحس إنما هو تغيير مزاج تلك الحواس عن مباشرة المحسوسات لها؛ و أن الإحساس إنما هو شعور القوى الحسّاسة بتغييرات تلك الأمزجة.