رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٠٣ - فصل في بيان فضيلة النحل و عجائب أموره و تصاريف أحواله و ما خص به من الكرامات و المواهب دون غيره من الحشرات
في ثقل رأسنا في الطيران. و جعل لي حمة حادة كأنها شوكة، و جعلها سلاحا لي أخوف به أعدائي، و أزجر به من يتعرض ليؤذيني. و جعل رقبتي خفيفة ليسهل بها علي تحريك رأسي يمنة و يسرة، و جعل رأسي مدوّرا عريضا، و جعل في جنبي عينين برّاقتين كأنهما مرآتان مجلوتان، و جعلها آلة لنا لإدراك المرئيّات المبصرات من الألوان و الأشكال و الأنوار و الظلمات. و أثبت على رأسنا شبه قرنين لطيفين ليّنين، و جعلهما آلة لنا لإحساس الملموسات و اللّيّن من الخشونات، و الصلابة و الرخاوة، و فتح لنا منخرين و جعلهما لإحساس المشمومات الطيبة و الروائح الجيدة. و جعل لنا فما مفتوحا فيه قوة ذائقة نتعرّف بها قوّة الطعام و الطيبات من المأكولات و المشروبات.
و خلق لنا مشفرين حادّين نجمع بهما من ثمر الأشجار رطوبات لطيفة.
و عجز الطبيعيون و الأطباء من اليونانيين من معرفتنا على طبائع النبات، و الاطلاع على خصائص منافعها. و خلق في جوفنا قوة جاذبة و ماسكة و هاضمة و طابخة منضجة تصيّر تلك الرطوبات عسلا حلوا لذيذا، شرابا صافيا، غذاء لنا و لأولادنا، و ذخائر للشتاء كما جعل في ضروع الأنعام قوة هاضمة تصيّر الدم لبنا خالصا سائغا للشاربين. و جعل فضالتنا و فضالة أولادنا سببا و شفاء لأخص خلق اللّه تعالى، إذ في تشكيلنا و تخطيطنا المسدّسات، و ترتيب الزوايا المتساويات، جعل شفاء للأرواح الإنسانية. و في فضالتنا و بصاقنا و لعابنا جعل شفاء للجسد الإنساني. و جعل فضالة فضالتنا و هو الشمع سببا للضياء في ظلم الليالي عوضا عن الضياء النوراني الحاصل من الشمس.
فمن أجل هذه النّعم و المواهب التي خصنا اللّه تعالى بها صرنا مجتهدين في كثرة الذكر لها، و أداء شكرها بالتسبيح لربنا، و التهليل و التكبير، و التمجيد و التحميد، آناء الليل و أطراف النهار، و الشفقة على رعيتنا و تفقّد أحوال جندنا و أعواننا و تربية أولادنا. لأنّا لهم كالرأس من الجسد، و هم لنا كالأعضاء من البدن، لا قوام لأحدهما إلّا بالآخر، و لا صلاح لهما إلّا بصلاح الآخر.