رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٢٢ - فصل في بيان تفضيل الخيل على سائر البهائم و غيرها
عليه أبين، مثل ذلك نيّرا الفلك و هما الشمس و القمر، فإنهما لما أعطيا من مواهب اللّه حظّا جزيلا من النور و العظمة و الظهور و الجلالة، حتى إنه ربما توهّم قوم أنهما ربّان إلهان لبيان آثار الرّبوبيّة فيهما، حرما بدل ذلك التحرّز من الكسوف، ليكون دليلا لأولي الألباب على أنهما لو كانا إلهين لما انكسفا، و هكذا حكم سائر الكواكب الفلكية لمّا أعطيت الأنوار الساطعة و الأفلاك الدائرة و الأعمار الطويلة، حرمت التحرّز من الاحتراق و الرجوع و الهبوط، لتكون آثار العبودية عليها ظاهرة. و هكذا حكم سائر الخلق من الجن و الإنس و الملائكة، فما منها أحد أعطي فضائل جمّة و مواهب جزيلة إلّا و قد حرم ما هو أكبر و أجلّ، و إنما الكمال للّه الواحد القهّار العزيز الغفّار الشديد العقاب، و من أجل ما ذكرنا قيل:
|
و لست بمستبق أخا لا تلومه |
على شعث، أيّ الرّجال المهذّب! |
|
[١] فلما فرغ الحمار من كلامه تكلم الثور و قال: لكن ينبغي لمن وفر حظه من مواهب اللّه تعالى أن يؤدّي شكرها، و هو أن يتصدّق من فضل ما أعطي على من قد حرم و لم يرزق منها شيئا.
أما ترى الشمس لما وفر حظها جزيلا من النور كيف تفيض من نورها على الخلق و لا تمنّ عليهم! و كذلك القمر و الكواكب كل واحد على قدره، و كان سبيل هؤلاء الإنس لما أعطوا من مواهب اللّه تعالى ما قد حرم غيرهم من الحيوان أن يتصدّقوا عليها و لا يمنّوا.
و لما فرغ الثور من كلامه ضجّت البهائم و الأنعام و قالت جميعا: ارحمنا أيها الملك العادل الكريم، و خذ بأيدينا و خلّصنا من جور هؤلاء الإنس الآدميين الظّلمة! فالتفت الملك عند ذلك إلى جماعة ممن حضر من حكماء الجن و علمائهم
[١] -الشعث: التفرق و الفساد.