رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٢٢ - فصل
و عصيا ربهما، و أخرجا من هنالك عريانين مطرودين، و رميا من رأس ذلك الجبل إلى أسفله، فوقعا في برية قفر لا ماء فيها، و لا شجر، و لا كنّ، فبقيا فيها جائعين عريانين يبكيان على ما فاتهما من النّعم التي كانا فيها هناك.
ثم إن رحمة اللّه تداركتهما، فتاب عليهما، و أرسل إليهما من هناك ملكا يعلمهما الحرث و الزرع و الحصاد و الدّراس و الطّحن و الخبز و اتخاذ اللباس من حشيش الأرض و القطن و الكتّان و القصب، بعناء و تعب و جهد و شقاء لا يحصي عددها إلّا اللّه مما قد ذكرنا طرفا منها من قبل.
فلما توالدا و كثرت أولادهما و انتشروا في الأرض برّا و بحرا، و سهلا و جبلا، و ضيّقوا على سكان الأرض من أصناف هذه الحيوانات أماكنها، و غلبوها على أوطانها، و أخذوا منها ما أخذوا، و أسروا منها ما أسروا، و هرب منها ما هرب، و طلبوها أشد الطلب، و بغيتم عليها و طغيتم، حتى بلغ الأمر إلى هذه الغاية التي أنتم عليها الآن من الافتخار و المناظرة و المنازعة و المخاصمة.
و أما الذي ذكرت بأن لكم مجالس اللهو و اللعب و الفرح و السرور، و ما ليس لنا من الأعراس و الولائم و الرقص و الحكايات المضحكات، و التحيات و التهنئات، و المدح و الثناء، و الحلى و التيجان و الأسورة و الخلاخل، و ما شاكلها مما نحن بمعزل عنه، فإن لكم أيضا بكل خصلة منها ضروبا من العقوبات، و فنونا من المصائب و عذابا أليما مما نحن بمعزل عنه.
فمن ذلك أن لكم بإزاء الأعراس المآتم؛ و بدل التهنئة التعزية؛ و بدل الألحان و الغناء النوح و الصراخ؛ و بدل الضحك البكاء؛ و بدل الفرح و السرور الغمّ و الحزن؛ و بدل المجالس و الإيوانات العالية المضيقة من القبور المظلمة، و التوابيت الضيقة المظلمة؛ و بدل الحصون الواسعة الحبوس و المطامير الضيقة المظلمة؛ و بدل الرقص الدسبندان و السياط و العذاب و الضرب و العقاب؛ و بدل الحلى و التيجان و الخلاخيل و الأسورة القيود و الأغلال و السوامير