رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٢١ - فصل
تترك أن تروض نفسها كما يجب، بل تستخدم و تتعب أبدانها، فتعرض لها بعض الأمراض من نحو ما يعرض لكم. و هكذا حكم أمراض أطفالكم و أوجاعهم، و ذلك أن الحوامل من نسائكم و جواريكم المرضعات يأكلن و يشربن بشرههنّ و حرصهنّ أكثر ما ينبغي من ألوان الطعام و الشراب التي ذكرت و افتخرت بها، فتتولد في أبدانهن من ذلك أخلاط غليظة متضادّة الطباع، فيؤثّر ذلك في أبدان الأجنّة التي في بطونهن، و في أبدان أطفالهن من ذلك اللبن الرديء، و يصير سببا للأمراض و العلل و الأوجاع من الفالج و اللقوة و الزمانة[١] و اضطراب البنية، و تشويه الخلق، و سماجة الصورة.
و ما ذكرت من اختلاف الأوجاع و الأمراض، مما أنتم مرتهنون بها، معرّضون لها، و ما يعقبها من موت الفجأة، و شدّة النزع، و ما يعرض لكم من ذلك من الغم و الحزن و النوح و البكاء و الصراخ و المصائب، و كل ذلك عقوبة لكم و عذاب لأنفسكم من سوء أعمالكم، و رداءة اختباراتكم، و نحن بمعزل من هذه كلها. و شيء آخر ذهب عليكم أيها الإنسي التائه النظر فيه.
قال: ما هو؟
قال: إن أطيب ما تأكلون، و ألذّ ما تشربون، و أنفع ما تتداوون به، هو العسل، و هو لعاب النحل، و ليس منكم بل من الحشرات. فبأي شيء تفتخرون به علينا، و قد كان آباؤنا مشاركين فيه لآبائكم بالسويّة أيضا، أيام كانوا في ذلك البستان الذي بالمشرق على رأس ذلك الجبل، فكانوا يأكلون من تلك الثمار و الحبّ بار كد و لا تعب، و لا عناء، و لا عداوة بينهم، و لا حسد، و لا استئثار و لا جنى و لا ادّخار و لا حرص، و لا بخل، و لا خوف، و لا همّ و لا غم و لا حزن، حتى تركا وصيّة ربهما، و اغترّا بقول عدوهما،
[١] -الزمانة: العاهة و عدم بعض الاعضاء، و تعطيل القوى. و الاطباء يخصونها بالشلل، و هو يبس في اليد.