رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٣٧ - فصل
لا تأكل الأشرار كما يأكل الأشرار الأشرار من الإنس، كما ذكر اللّه تعالى:
«وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.» أقول قولي هذا و أستغفر اللّه لي و لكم.
فلما فرغ زعيم السباع من كلامه، قال حكيم من الجنّ: صدق هذا القائل إن الأخيار يهربون من الأشرار و يأنسون بالأخيار، و إن كانوا من غير جنسهم، و إن الأشرار أيضا يبغضون الأخيار، و يهربون منهم، و يلجئون إلى أبناء جنسهم من الأشرار. فلو لم يكن بنو آدم أكثرهم أشرارا لما هرب أخيارهم من بين ظهرانيهم إلى رءوس الجبال و الآجام و مأوى السباع، و هي من غير جنسهم، و لا تشبههم في الصورة و لا في الخلقة، إلّا في أخلاق النفوس من الخيرية و الصلاح و السلامة.
قالت الجماعة كلها: صدق الحكيم فيما قال و ذكر و أخبر.
فخجلت جماعة الإنس عند ذلك و نكست رءوسها حياء و خجلا مما سمعت من التوبيخ و التعريض، و انقضى المجلس و نادى مناد: انصرفوا مكرّمين، لتعودوا غدا آمنين مطمئنين!
فصل
و لما كان من الغد جلس الملك مجلسه، و حضرت الطوائف كلها على الرسم، و اصطفت، فنظر الملك إلى جماعة الإنس و قال: قد سمعتم ما جرى أمس و ما ذكرتم، و سمعتم الجواب عما قلتم، فهل عندكم شيء آخر غير ما ذكرتم بالأمس؟
فقام عند ذلك الزعيم الفارسي و قال: نعم أيها الملك العادل إن لنا مناقب أخر و فضائل جمّة، و خصالا عدّة تدل على صحة ما نقول و ندعي.
قال الملك: هات، و اذكر منها شيئا.