رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٠٩ - فصل
فقال لهم حكيم من حكماء الجن: لا تنكروا ذلك، و لا تتعجبوا منه، فإن اليعسوب، و إن كان صغير الجثة، لطيف المنظر، ضعيف البنية، فإنه عظيم المخبر، جيد الجوهر، ذكي النفس، كثير النفع، مبارك الناصية، حكيم الصنعة. و هو رئيس من رؤساء الحشرات، و خطيبها، و ملكها، و نبيها.
و الملوك يخاطبون من كان من أبناء جنسهم في الملك و الرئاسة، و إن كان مخالفا لهم في الصورة، و كانوا متباينين في الملك. و لا تظنوا بأن الملك العادل الحكيم يميل في الحكومة إلى واحدة من الطوائف دون غيرها لهوى غالب، أو طبع مشاكل، أو ميل لسبب من الأسباب، و علة من العلل.
فلما فرغ حكيم الجن من كلامه، نظر الملك إلى الجماعة الحضور فقال:
سمعتم يا معشر الإنس أمر شكاية هذه البهائم من جوركم و ظلمكم، و نحن قد سمعنا ادعاءكم عليها الرّقّ و العبودية، و هي تأبى ذلك و تجحده. و طالبتكم بالدليل و الحجّة على دعواكم، فأوردتم ما ذكرتم، و سمعنا ما أجابوكم، فهل عندكم شيء آخر غير ما ذكرتم بالأمس؟ فهاتوا برهانكم ان كنتم صادقين ليكون لكم حجة عليها.
فصل
فلما سمع الإنس جميع ما قال ملك الجن في حقهم، قام زعيم من رؤساء الروم فقال: الحمد للّه الحنّان المنّان، ذي الجود و الإحسان، و العفو و الغفران، الذي خلق الإنسان، و ألهمه العلوم و البيان، و بيّن له الدليل و البرهان، و أعطاه العزّ و السلطان، و عرّفه تصاريف الدهور، و تقلّب الأزمان، و سخّر له النبات و الحيوان، و عرّفه منافع المعادن و الأركان.
نعم أيها الملك، لنا خصال محمودة، و مناقب جمة تدل على ما قلنا و ذكرنا.
قال الملك: و ما هي؟