رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٥ - فصل في بيان معرفة قول الحكماء إن العالم إنسان كبير
كبيرا، لأنهم يرون أنه جسم واحد بجميع أفلاكه و أطباق سماواته و أركان أمهاته و مولّداتها، و يرون أيضا أن له نفسا واحدة سارية قواها في جميع أجزاء جسمها كسريان نفس الإنسان الواحد في جميع أجزاء جسده، فنريد أن نذكر في هذه الرسالة صورة العالم و نصف كيفية تركيب جسمه، كما وصف في كتاب التشريح تركيب جسد الإنسان، ثم نصف في رسالة أخرى ماهيّة نفس العالم، و كيفيّة سريان قواها في الأجسام التي في العالم من أعلى الفلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض، ثم نبيّن فنون حركاتها و إظهار أفعالها في أجسام العالم بعضها في بعض، فنرجع الآن إلى وصف جسم العالم فنقول:
الجسم هو أحد الموجودات بطريق الحواس، بتوسّط أعراضه، كما بيّنا في رسالة الحاسّ و المحسوس، و الموجودات كلّها جواهر و أعراض و صور و هيوليّات مركّب منها، كما بيّنا في رسالة الهيولى و الصورة. و الصورة نوعان، مقوّمة و متمّمة، كما بيّنا في رسالة العقل و المعقول، و الصورة المقوّمة لذات الجسم هي الطول و العرض و العمق، إذا وجدت في الهيولى التي هي جوهر بسيط قابل للصورة. و الصورة المتمّمة للجسم المبلغة له إلى أفضل حالاته كثيرة لا يحصي عددها إلّا اللّه، عزّ و جل، و لكن نذكر منها طرفا لتفهم معانيها: فمن الصورة المتمّمة للجسم الشّكل؛ و الأشكال كثيرة، كالتثليث و التربيع و التخميس و التدوير و ما شاكلها. و من الصورة المتمّمة أيضا الحركة؛ و الحركات ستة أنواع، أحدها النّقلة و هي نوعان:
دوريّة و مستقيمة. و من الصور المتمّمة أيضا النور، و هي نوعان: ذاتيّ و عرضي. و من الصور المتمّمة للجسم الصفاء، و أفضل الأشكال الشّكل الكريّ كما بيّنا في رسالة الهندسة، و أتمّ الحركات الدوريّة كما بيّنا في رسالة الحركات، و أبهى الأنوار الذاتيّة، و أصفى النّعوت الشفّاف، كما بيّنا في رسالة الصفات و الموصوفات. فجسم العالم بأسره كريّ الشّكل، و حركات أفلاكه كلّها دوريّة، و نور الكواكب السماوية كلّها ذاتيّ إلّا