رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٤ - فصل في أقاويل الحكماء في ماهية الحركة
التي هي على سبيل الاستقامة؛ فأما التي على الاستدارة فلا يصحّ، لأن المتحرّك على الاستدارة ينتقل من مكان إلى مكان، و لا يصير في محاذاة أخرى في زمان ثان، فإن قيل إن المتحرّك على الاستدارة أجزاؤه كلّها تتبدّل أما كنها و تصير في محاذاة أخرى في زمان ثان إلّا الجزء الذي هو ساكن في المركز فإنه ساكن فيه لا يتحرّك. فليعلم من يقول هذا القول و يظن هذا الظن أو يقدّر أن هذا الرأي صحيح، أن المركز إنما هو نقطة متوهّمة و هي رأس الخط، و رأس الخط لا يكون مكان الجزء من الجسم. و ليعلم أيضا أن المتحرّك على الاستدارة بجميع أجزائه متحك، و هو لا ينتقل من مكان إلى مكان، و لا يصير محاذيا بشيء آخر في زمان ثان. فأما الحركة على الاستقامة فلا يمكن أن تكون الا بالانتقال من مكان الى مكان و المرور بمحاذيات في زمان ثان، فإذا قيل إنه يمكن ذلك فإن الإنسان مثلا قد يحرّك يده أو بعض أجزائه، و هو لا ينتقل من مكان إلى مكان، فما ذا ترى كيف يكون حال اليد، هل يجوز أن تتحرّك و لا تخرج من مكان إلى مكان، و كذلك حكم الأصبع هل يجوز أن يتحرّك و لا ينتقل من مكان إلى مكان، و لا يمر بمحاذاة أخرى في زمان ثان؟
و اعلم أنه متى تحركت الأجزاء من جسم فقد تحرّكت تلك الجملة، و متى تحرّكت تلك الجملة فقد تحرّكت تلك الأجزاء، لأن تلك الأجزاء ليست غير تلك الجملة. و ذلك أنه إذا تحرّك الإنسان فقد تحرّكت جملة أعضائه؛ و إذا تحرّكت أعضاؤه فقد تحرّك هو؛ و إن تحرّكت يده وحدها فقد تحرّكت أجزاء اليد كلّها، لأن اليد ليست شيئا غير تلك الأجزاء، و كذلك إن تحرّك إصبع واحد فقد تحرّك أجزاء الأصبع كلّها، لأن الأصبع ليست غير تلك الأجزاء، فمن ظنّ أنه يجوز أن تتحرّك الأجزاء و لا تتحرّك الجملة، أو تتحرّك الجملة و لا تتحرّك بعض الأجزاء فقد أخطأ.
و اعلم أنه قد ظنّ كثير من أهل العلم أن المتحرّك على الاستقامة يتحرّك