رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٧٧ - فصل
و محسوسات فانيات باليات فاسدات، و تلك ناطقات معقولات روحانيات غير مرئيّات باقيات.
ثم قام حكيم الجنّ فخطب و حمد اللّه و أثنى عليه فقال: الحمد للّه خالق المخلوقات، و بارئ المبروءات، و مبدع المبدعات، و مخترع المصنوعات، و مقلّب الأزمان و الدهور و الأوقات، و منشئ الأماكن و الجهات، مدبّر الأفلاك، و موكّل الأملاك، و رافع السبع السماوات، و باسط الأرضين المدحوّات من تحت طباق السماوات، و مصوّر الخلائق ذوي الأوصاف المختلفات، و الألوان و اللغات، هو المنعم بأنواع العطايا و فنون الروايات، خلق فسوّى، و قدّر فهدى، و أمات و أحيا. و هو بالنظر الأعلى، و هو القريب البعيد، بعيد من إدراك الحواس المدركات، قريب في الخلوات من ذوي المناجاة. فسبحان الذي جعل الطيّبين للطيّبات، و جعل الخبيثين للخبيثات. و سبحان الذي خلق المؤمنين و المؤمنات، و أوجد المسلمين و المسلمات، و أظهر العابدين و العابدات، و ألهم القائمين و القائمات، و أعان الصائمين و الصائمات، و هدى التائبين و التائبات، و أنطق الذاكرين و الذاكرات، لا تدركه الأبصار، و لا تمثّله الأخبار. كلّت ألسن الواصفين له بكنه الصفات، و تحيرت عقول ذوي الألباب بالفكرة في جلال عظمته، و عزّ سلطانه، و وضوح آياته و برهانه. فلا القوة العقلية تدركه، و لا القوة النطقية تصفه. و هو اللّه الواحد القهّار، العزيز الغفّار، الذي خلق الجانّ قبل آدم من نار السّموم أرواحا خفيّة، و أشباحا لطفة، صورا عجيبة، و حركات سريعة، تسبح في الجوّ كيف تشاء، بلا كدر و لا عناء. و ذلك من فضل اللّه علينا، و هو الذي خلق أصناف الخلائق من الجن و الإنس و الملائكة و الحيوانات البريّة و البحريّة، أصنافا مختلفة الأشكال و الصور، و رتّبها أصنافا كما شاء.
فمنها ما هي مراتبها في أعلى علّيّين، و هم الملائكة المقرّبون، و عباده المصطفون، خلقهم من نور عرشه فهم حملته.