رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٧٢ - فصل
كل عمل و خلق مذموم قد اعتاده من الصّبا، و يكتسب أضداده من الأخلاق الجميلة الحميدة، و يعمل عملا صالحا، و يتعلّم علوما حقيقية، و يعتقد آراء صحيحة، حتى يكون إنسان خير فاضلا و تصير نفسه ملكا بالقوّة. فإذا فارقت جسدها عند الموت صارت ملكا بالفعل و عرج بها إلى ملكوت السماء و دخلت في زمرة الملائكة، و لقيت ربها بالتحية و السلام، كما ذكر اللّه، جلّ ثناؤه: «تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ» و قال تعالى: «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» و قال تعالى:
«لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ» و قال: «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ» و آيات كثيرة من القرآن في هذا المعنى.
و إذ قد ذكرنا طرفا من كيفيّة أصول الأشجار و ثمارها و أوراقها ذكرا مجملا، فنريد أن نذكر أيضا طرفا من علل فنون تركيبها و الأسباب التي من أجلها وجب أن تكون كذلك، ليتبيّن ما الغرض منها و العناية الربّانيّة بها و الحكمة الإلهية فيها، لتكون دليلا و قياسا على غيرها، مما لا يعلم أحد كنه غاياتها إلّا اللّه الذي خلقها و صوّرها و أنشأها و أتمّها لبلوغ غاياتها و تمام نهاياتها.
فمن ذلك شجرة النّخيل فإنها كثيرة العروق دقيقتها، بطيئة النّشوء، طويلة العمر، منتصبة الارتفاع، مستديرة الأصل، مسدّسة مخارج السّعف، مستطيلة الأوراق، مزدوجة مقابل رخو الجرم[١]، متخلخلة تركيب الجسم، محشوّ خللها بزئبر رخو ملتفّ حوله، على أصول سعفه ليفات منسوجة، موازية طبقات ثلاث.
و أما علّة كثرة عدد عروق هذه الشجرة فهي لكيما تجذب بها القوة الطبيعية الجاذبة للموادّ الكثيرة، و ذلك لشدة حاجة هذا الجنس من النبات
[١] -لا يخفى ما في هذه الجملة من الاضطراب و الغموض.