رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣١٢ - فصل
و كيف تنصرف في الطلب يوما يمنة و يوما يسرة في القرية، كأنها قوافل ذاهبين و جائين، و آنا إذا ذهبت واحدة منها، فوجدت شيئا لا تقدر على حمله، أخذت منه قدرا ما، و ذهبت راجعة مخبرة للباقين. و كلما استقبلتها واحدة شاممتها مما في فيها لتدلّها على ذلك الشيء. ثم ترى كيف كل واحدة منها على هذا الطريق الذي جاءته من هناك. ثم كيف تجتمع على ذلك الشيء جماعة منها، و كيف يحملونه و يحترزونه بجهد و عناء في المعاونة.
و إذا علمت أن واحدة منها توانت في العمل، أو تكاسلت في التعاون، اجتمعت على قتلها و رمت بها عبرة لغيرها. فلو تفكّر الإنسي في أمرها، و اعتبر أحوالها، لعلم أن لها علما و فهما و تمييزا و معرفة و دراية و تدبيرا و سياسة مثل ما لهم، و لما افتخر علينا بما ذكر.
و أيضا أيها الملك لو تفكّر الإنسي في أمر الجراد أنها إذا سمنت أيام الربيع من الرّعي كيف تطلب أرضا طيبة التربة، رخوة الحفرة، و كيف تنزل هنالك و تحفر بأرجلها و مخاليبها، و تدخل أذنابها في تلك الحفرة، و تطرح بيضها فيها، و تدفنه ثم طارت. و تعيش أياما ثم تأكلها الطيور، و يموت من بقي و يهلك من حر و برد، و تطير.
ثم إذا دارت عليها الحول[١]، و جاءت أيام الربيع، و اعتدل الزمان، و طاب الهواء، فكيف ينشر من ذلك البيض المدفون مثل الدبيب[٢] الصغار على وجه الأرض، و أكلت من ورق الشجر و سمنت و باضت مثل عام أول.
و هذا دأبها، و ذلك تقدير العزيز العليم. فليعلم هذا الإنسي أن لنا علما و معرفة.
و هكذا أيضا أيها الملك دود القز التي تكون على رءوس الأشجار و الجبال
[١] -الحول: السنة، أنثه على التضمين.
[٢] -الدبيب: الهوام الصغيرة التي تلعب بالماء.