رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣١٣ - فصل
فإنها إذا شبعت من الرعي في أيام الربيع و سمنت، أخذت تنسج على نفسها من لعابها في رءوس الجبال شبه العش و الكنّ؛ ثم تنام أياما معلومة، فإذا انتبهت طرحت بيضها في داخل ذلك الكنّ الذي نسجته على أنفسها، ثم ثقبتها، و خرجت منها، و سدّت ذلك الثّقب، و خرجت لها أجنحة، و طارت فيأكلها الطير، أو ماتت من الحر و البرد و الريح و المطر، و بقي ذلك البيض في تلك الجوزات محروزا أيام الصيف و الخريف و الشتاء من الحر و البرد و الرياح و الأمطار، إلى أن يحول الحول، و تجيء أيام الربيع، و يحضن ذلك البيض في الجوزات، و يخرج من ذلك الثّقب مثل الدبيب الصغار؛ و تدب على ورق الشجر أياما معلومة، فإذا شبعت و سمنت، أخذت و نسجت على نفسها من لعابها مثل العام الأول، و ذلك دأبها أبدا، و ذلك تقدير العزيز العليم الذي أعطى كل شيء خلقه، ثم هدى إلى أمور مصالحها و منافعها.
و كذلك أيضا أيها الملك حال الزنابير الصّفر و الحمر و السود، فإنها تبني أيضا منازل في السقوف و الحيطان، و من بين أغصان الأشجار مثل ما يفعل النحل و تبيض و تفرخ، و لكنها لا تجمع القوت للشتاء، و لا تدّخر للغد شيئا، و لكن تتقوت يوما بيوم ما طاب لها الوقت. فإذا أحسّت بتغير الزمان و مجيء الشتاء ذهبت إلى الأغوار و المواضع الكنينة الدفئة.
و منها ما يدخل في ثقب الحيطان و المواضع الكنينة الحصينة، و ينام فيها أياما طول الشتاء. و إذا جاء الربيع و اعتدل الزمان، و طاب الهواء، نفخ اللّه تعالى فيما سلم من تلك الجثّة روح الحياة، فعاشت و بنت البيوت، و باضت و حضنت أولادها مثل العام الأول. فهذا دأبها تقدير العزيز العليم.
و كل هذه الأنواع من الحشرات و الهوامّ تبيض و تحضن و تربّي أولادها بعلم و معرفة و دراية و شفقة و رحمة و رأفة و تحنّن و لطف و رفق، و لا تطلب