رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٠٩ - فصل
و قطع المفاصل و نتف الريش و جزّ الشعر و الوبر، ثم نار الطبخ و الوقد و التشويه و ألوان من العذاب ما لا يبلغ الوصف كنهها.
و مع هذه الأحوال كلّها لا يرضى منا هؤلاء الآدميّون، حتى ادّعوا علينا أن هذا حق واجب لهم علينا، و أنهم أرباب لنا و نحن عبيد لهم، فمن هرب منا فهو آبق عاص تارك الطاعة، كلّ هذا بلا حجّة لهم علينا و لا بيان و لا برهان إلّا القهر و الغلبة.
فلما سمع الملك هذا الكلام و فهم هذا الخطاب، أمر مناديا فنادى في مملكته، و دعا الجنود و الأعوان من قبائل الجن من بني ساسان و بني خاقان و أولاد شيصبان، و القضاة العدول و الفقهاء من آل إدريس و بني بلقيس، و قعد لفصل القضاء بين زعماء الحيوانات و الجدليّين من الإنس.
ثم قال لزعماء الإنس:
ما تقولون فيما تحكي هذه البهائم و الأنعام من الجور و ما يشكون من الظّلم و التعدّي منكم؟
فقال زعيم الإنس: نقول إن هؤلاء عبيد لنا و نحن مواليها، و لنا أن نتحكّم عليها تحكّم الأرباب، و نتصرّف فيها تصرّف الملّاك كيف شاء.
فمن أطاعنا فطاعته للّه، و من عصانا و هرب فمعصيته للّه.
فقال الملك للإنسيّ: إن الدعاوي لا تصحّ عند الحكام إلا بالبيّنات، و لا تقبل إلّا بالحجّة الواضحة فيما قلت و ادّعيت.
فقال الإنسيّ: إن لنا حججا عقليّة و دلائل فلسفية تدلّ على صحة ما قلنا.
قال الملك: ما هي؟ بيّنها لنعلمها. قال: نعم، حسن صورتنا، و تقويم بنية هيكلنا، و انتصاب قامتنا، و جودة حواسّنا، و دقّة تمييزنا، و ذكاء نفوسنا، و رجحان عقولنا. كل هذا يدلّ على أنّا أرباب و هم عبيد لنا.
فقال الملك لزعيم البهائم: ما تقولون فيما قال الإنسيّ؟