رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢١٢ - فصل في بيان علة اختلاف صور الحيوانات
ما العلّة في طول رقبة الجمل؟ قال: ليكون مناسبا لطول قوائمه لينال الحشيش من الأرض، و يستعين به على النهوض بحمله، و ليبلغ مشفره إلى سائر أطراف بدنه فيحكّها.
و أما خرطوم الفيل فعوض عن طول الرقبة، و كبر أذنيه ليذبّ البقّ و الذّباب عن مآقي عينيه و فمه، إذ كان فمه مفتوحا أبدا لا يمكنه ضمّ شفتيه لخروج أنيابه منه، و أنيابه سلاح له يمنع بها السباع عن نفسه.
و أما كبر أذن الأرنب فهو من أجل أن تكون دثارا له و وطاء و غطاء في الشتاء و الصيف، لأنه رقيق الجلد ترف البدن. و على هذا القياس نجد كلّ حيوان جعل اللّه، عز و جل، له من الأعضاء و المفاصل و الأدوات بحسب حاجته إليه لجرّ المنفعة أو دفع المضرة. و إلى هذا المعنى أشار موسى، ٧، بقوله: «رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى».
و أما الذي ذكرت، أيها الإنسيّ، من حسن الصورة و افتخرت به علينا، فليس فيه شيء من الدّلالة على ما زعمت بأنكم أرباب و نحن عبيد. فإذا كان حسن الصورة شيئا مرغوبا فيه عند أبناء الجنس من الذكور و الإناث ليدعوهم ذلك إلى الجماع و السّفاد و النّتاج و التناسل لبقاء النسل، فإننا لا نرغب في محاسن إناثنا، و لا إناثنا في محاسن ذكراننا، كما لا يرغب السود في محاسن البيض، و لا البيض في محاسن السود، و كما لا يرغب اللّوّاط في محاسن الجواري، و لا الزّناة في محاسن الغلمان، فلا فخر لكم علينا بمحاسن الصور أيها الإنسي.