رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٤٨ - فصل
القابلة تشيلها و تقمطها، و داية تعلمها كيف تقطع سرّة ولدها، و تقمطه و تدهنه و تكحّله و تسقيه و تنوّمه، و لا تعلم شيئا و لا تعرفه.
و كذلك أيضا حكم أولادكم في الجهالة و قلة المئونة، يوم يولدون لا يعلمون من مصالح أمورهم، و لا يعقلون شيئا من جرّ منفعة، و لا دفع مضرّة، إلّا بعد أربع سنين أو سبع أو عشر يحتاجون أن يعلموا كل يوم علما جديدا، و أدبا مستأنفا إلى آخر العمر يوم الممات. و نجد أولادنا إذا خرج أحدهم من الرحم أو من البيض يكون معلّما أو ملهما كلّ ما يحتاج إليه من أمر مصالحه و مضارّه و منافعه، لا يحتاج إلى تعليم الآباء و الأمهات. فمن ذلك فراريخ الدّجاج و الدّرّاج[١] و القبج[٢] و الطّيهوج[٣] و ما شاكلها، فإنك تجدها تنقشر عنها البيضة، و تخرج، و تعدو من ساعتها، أو تلتقط الحب، و تهرب من المطالب لها، حتى ربما لا تلحق. كل ذلك من غير تعليم من الآباء و الأمهات، بل وحيا و إلهاما من اللّه تعالى، كل ذلك رحمة منه لخلقه و شفقة و رأفة و تحننا.
و ذلك أن هذا الجنس من الطيور، لما لم يكن الذكر يعاون الأنثى في الحضانة و تربية الأولاد، كما يعاون باقي الطيور كالحمام و العصافير و غيرهما، أكثر اللّه عدد فراريخها، و أخرجها مكتفية مستغنية من تربية الآباء و الأمهات من شرب اللبن، أو زقّ الحبوب و الغذاء، مما يحتاج إليه غير هذا الجنس من الحيوان و الطيور، و كل ذلك عناية من اللّه تعالى و تقدّس، و حسن نظر منه لهذه الحيوانات التي تقدم ذكرها.
فقل لنا أيها الإنسي: أيهما أكرم عند اللّه الذي عنايته به أكثر، و رعايته به أتم، فسبحان اللّه الخالق الرؤوف الرحيم بخلقه، الودود الشفيق الرفيق بعباده، و نحمده و نسبحه في غدوّنا و رواحنا، و نقدّسه في ليلنا و نهارنا، فله
[١] -الدراج: طائر جميل المنظر ملون الريش، من نوع الحجال.
[٢] -القبج: الحجل.
[٣] -الطيهوج: حجل صغير يكثر في الهند و بلاد فارس.