رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٤٧ - فصل
معلّقا في الهواء تحت السقوف من الطين، من غير حاجة إلى سلّم يرتقي عليه، أو راقود يحمل الطين عليه، أو عمود يسند بيته إليه. و لا يحتاج إلى آلة من الآلات أو الأدوات. و إذا عميت أولادها، تحمل من الطين حشيشة تسمى الماميراف، تحكّ بها عين الأولاد، فيضيء بصرها. كل ذلك تعليم من اللّه تعالى لا من البشر، و أنتم محتاجون إلى الأستاذين و المعلمين في أدنى صنعة، و أخسّ عمل، و أنتم من تلقاء أنفسكم لا تقدرون على عمل من غير تعلّم مدة من الزمان.
و هكذا أيضا الأرضة[١]، و هي من الهوامّ، تبني على أنفسها بيوتا من الطين الصّرف شبه الأزج[٢] و الأزقة، من غير أن تجمع التراب، أو تبلّ الطين، أو تستسقي الماء. فقولوا، أيها الحكماء، من أين لها ذلك الطين، و من أين تجمعه، و كيف تحمله، إن كنتم تعلمون.
و على هذا المثال حكم أجناس الطيور و الحيوانات في اتخاذها المنازل و الأوكار و الأعشاش و تربية أولادها تجدها أحذق و أعلم و أحكم من عمل الإنس. فمن ذلك تربية النعامة، و هي مركّبة من طائر و بهيمة، لفراريخها، و ذلك أنها إذا جمعت لها بيضا عشرين أو ثلاثين أو أربعين، قسمتها ثلاثة أقسام، منها ما تدفنه في التراب، و ثلثا تتركه في الشمس، و ثلثا تحضنه. فإذا خرجت فراريخها، كسرت ما كان في الشمس و سقتها ما كان فيها من تلك الرطوبات التي فيها مما ذوّبتها الشمس و رقّقتها. فإذا اشتدّت فراريخها و قويت، أخرجت المدفون منها، و فتحت لها ثقبا كي يجتمع فيه الذباب و البق و الهوام و النمل و الحشرات، ثم تطعمها فراريخها، حتى إذا قويت عدت و لعبت و رعت.
فقل أيها الإنسي: أي نسائكم تحسن مثل هذا في تربية أولادها، إن لم تكن
[١] -الأرضة: دويبة تأكل الخشب.
[٢] -الأزج: البيت يبنى طولا.