رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٥٣ - فصل
مباشرة الأجسام الطبيعية و الحركات الجرمانية و الأعمال الجسدانية، كما يجلّ الملوك و السادة و الرؤساء عن مباشرة الأفعال بأنفسها، و إن كانت تنسب إليها على سبيل الأمر بها و الإرادة لها، كما يقال: بنى الإسكندر السّدّ، و بنى سليمان مسجد إيليا[١]، و بنى المنصور مدينة السلام، إذ كان بناؤها بأمرهم لا يتولّون الأفعال بأنفسهم. فعلى هذا المثال تنسب أفعال عباد اللّه إلى اللّه، جلّ ثناؤه، كما ذكر هو بقوله تعالى لنبيّه محمد، صلى اللّه عليه و آله: «و ما رميت إذ رميت، و لكن اللّه رمى» و قال: «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ» و قال: «قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ» و آيات كثيرة في هذا المعنى في القرآن المبين.
و اعلم يا أخي، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، بأن العاقل اللبيب، إذا تأمّل أحوال النبات، و تفكّر فيها و اعتبرها، فلا يجد شيئا منها يخرج عن صورة جنسه أو يتجاوز عن أشكال نوعه، و ذلك أنه ما رئيت قطّ ورقة زيتون خرجت من شجرة جوز، و لا حبّة شعير خرجت من سنبلة حنطة.
و على هذا المثال و القياس سائر أنواع الحبوب و الثّمار و البقول و الحشائش تراها كلّ واحدة منها حافظة صورة أبناء جنسها و شكل نوعها كأنها صبّت في قوالب مختلفة الأشكال محفوظة الأنواع.
و هكذا حكم كل الحيوانات التامة الخلقة، الكاملة الصورة، محفوظة صور أجناسها و أشكال أنواعها في أشخاصها، و ذلك أنه ما رئي قطّ خرج مهر من رحم ناقة و لا جدي خرج من رحم بقرة، و لا كركيّ[٢] خرج من بيض نعامة، و لا فرّوج خرج من بيض حمامة.
و إذا فكّر العاقل اللبيب في هذه الأشياء، و طلب العلّة فيها، و بحث عنها، فربما يتخيّل له أو يتوهّم بأنه ليس في قدرة الصانع غير ذلك، أو
[١] -إيليا: مدينة القدس.
[٢] -الكركي: طائر كبير أغبر اللون، أبتر الذنب، طويل العنق.