رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٥٦ - فصل
آفاق البلاد، و. شرقت على جو الهواء، و أضاءت على وجه الأرض، حميت مياه البحار و الأنهار، و لطفت أجزاؤها و صارت بخارا لطيفا خفيفا، و ارتفعت في الهواء في جوّ السماء، حتى إذا بلغت إلى سطح الزّمهرير، و جاوزت كرة النسيم، بردت هناك، و اجتمعت و وقفت و غلظت و تراكمت، و صارت غيوما و سحابا و ضبابا و طلّا و صقيعا، و تراكمت و ساقتها الرياح إلى رءوس الجبال و وجوه البراري و القفار و القرى و السوادات و المزارع، و هطلت هناك الأمطار، و ابتلّ وجه الأرض، و شرب التراب رطوبة الماء، و اختلطت أجزاؤه و اتحدت؛ فإذا طلعت الشمس على وجه الأرض و سخّنتها حيث تلك الأجزاء المائيّة، جفّت و أخذت ترتقي من قعر الأرض إلى وجهها، و رفعت معها تلك الأجزاء الأرضيّة المتحدة بها إلى ظاهر سطح الأرض، ثم إن قوى النفس البسيطة التي هي دون فلك القمر السارية في الأركان تصوّر من تلك المادة أنواع النبات بفنون أشكالها و ألوان أصباغها، كما يعمل الصّنّاع البشريّون في أسواق المدن فنون المصنوعات من الهيوليات الموضوعات في صناعتهم المعروفة، كما بيّنا في رسائلنا.
و اعلم يا أخي بأن قوى النفس الكلّيّة الفلكية البسيطة التي ذكرنا أنها تعمل أجناس النبات و أنواعها هي التي ذكرت في كتب الأنبياء، :، أنها ملائكة اللّه و جنوده الموكّلون بها، و ذكر أنه قد ورد في الأخبار المتواترة أن مع كلّ ورقة و ثمرة و حبّة تخرجها الأرض من النبات ملكا موكّلا يربّيها و ينشئها و يحفظها من الآفات العارضة لها، إلى أن تتمّ و تكمل و تبلغ إلى أقصى مدى غاياتها و منتهى نهاياتها: كلّ ذلك بإذن اللّه خالقها و بارئها. و كذلك حكم الحيوانات أجمع كما ذكر اللّه، جلّ ثناؤه، بقوله: «لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» و نحن نسمّي ما كان منها موكّلا بالنبات النفس النباتية. و اعلم يا أخي أن اللّه، جلّ ثناؤه، قد أيّد النفس النباتية بسبع قوى فعّالة و هي القوة الجاذبة،