رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٠٦ - فصل
بخارات لطيفة تمتزج مع الهواء مزاجا روحانيّا، و يصير الهواء مثلها في الكيفية، إن كان طيبا فطيبا، و إن منتنا فمنتنا.
فالحيوان الذي له رئة يستنشق الهواء دائما لترويح الحرارة الغريزية التي في القلب، فيدخل ذلك الهواء في منخريه، و يبلغ إلى خياشيمه، فيصير ذلك الهواء الذي هناك أيضا مثلها في الكيفية، فتحس القوة الشامة بذلك التغيير، فتؤدّي خبرها إلى القوة المتخيّلة. فإن كانت الرائحة طيبة، استلذتها الطبيعة، و إن كانت منتنة، كرهتها، و نفرت منها. و قد تختلف في مشامّ الحيوانات الروائح في اللذة و الكراهية اختلاف التضادّ. و ذلك أن من الحيوانات ما يستلذ رائحة السماد و الجيف مثل الخنازير و بنات وردان[١] و الذّباب، و ما شاكلها، و منها ما يكره الرائحة الطيبة، و ذلك أن الخنفساء إذا دفنت في الورد غشي عليها، حتى لا تتحرك. فإذا أراد المريد أن تعيش ردّت إلى السّماد، فعاشت و تحركت.
و من الناس أيضا من هو بهذا الوصف مثل السّمّادين و الكنّاسين، فإنه يحكى أن كنّاسا جاز في سوق العطارين، فغشي عليه، حتى ظنوا أنه قد مات. فمر عليه طبيب فرآه و عرف حاله و سبب غشيته، فأمر بإتيان رجيع[٢] يابس، فأمر بدقّه، و سعط، فعطس من ساعته و أفاق.
و من المرضى من هو أيضا بهذا الوصف، مثل من تغلب الصفراء عليه، فإنه يتأذى برائحة المسك و يستلذ رائحة الطين. و هذا الاختلاف يكون بحسب مزاج الأبدان و بحسب الخلط الغالب عليه.
و هذه الثلاث القوى التي تقدّم وصفها تدرك محسوساتها إدراكا جسمانيّا بالمماسة.
[١] -بنات وردان: دويبات من نحو الخنافس، حمر اللون، و أكثر ما تكون في الحمات و في الكنف.
[٢] -الرجيع: الروث.