رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٥٨ - فصل
فمن أين زعمتم أنكم أرباب لنا و نحن لكم عبيد بلا حجة و لا برهان إلّا قول الزور و البهتان؟
و أما تجاركم و رؤساؤكم و دهاقينكم الذين ذكرتم و افتخرتم بهم، فلا فخر لكم و لا لهم، إذ كانوا هم أسوأ حالا من العبيد الأشقياء و الفقراء الضعفاء، و ذلك أنك تراهم طول نهارهم مشغولي القلب، متعوبي الأبدان، مغمومي النفوس، معذّبي الأرواح فيما يبنون ما لا يسكنون، و يغرسون ما لا يجنون، و يجمعون ما لا يأكلون، و يعمرون الدور، و يخربون القبور. أكياس في أمور الدنيا، بله في أمور الآخرة، يجمع أحدهم الدينار و المتاع، و يبخل أن ينفق على نفسه، و يتركه لزوج امرأته، أو لزوج ابنته، أو لزوجة ابنه، و لوارثه. كادّون لغيرهم مصلحون أمور سواهم، لا راحة لهم إلى الممات.
و أما تجاركم فيجمعون من حرام و حلال، و يبنون الدكاكين و الخانات، و يملئونها من الأمتعة، و يحتكرونها و يضنّون بها على أنفسهم و جيرانهم و أحبابهم، و يمنعون الفقراء و المساكين حقوقهم، و لا ينفقون حتى تذهب جملة واحدة، إما في حرق أو غرق أو سرقة أو مصادرة سلطان جائر، أو قطع طريق، و ما شاكل ذلك. و يبقى هو بحزنه و مصيبته معاقبا بما كسبت يداه، فلا زكاة أخرج، و لا صدقة أعطى، و لا يتيما برّ، و لا معروفا لضعيف أسدى، و لا صلة لذي رحم، و لا إحسانا إلى صديق، و لا تزوّد للمعاد، و لا قدّم للآخرة.
و الذين ذكرتهم من أرباب النعم و أهل المروءات، فلو كانت لهم مروءة كما ذكرت، لكان لا يهنيهم العيش، إذا رأوا فقراءهم و جيرانهم و اليتامى من أولاد إخوانهم، و الضعاف من أبناء جنسهم، جياعا عراة مرضى زمنى[١] مفاليج، مطروحين على الطريق يطلبون منهم كسرة، و يسألونهم خرقة،
[١] -الزمنى: أصحاب العاهات، واحدها زمين و زمن.