رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٥٥ - فصل
فلم يدروا تفصيلا، و لكن قالوا: من سلطان لا يطاق.
فقال لهم: متى يكون ذلك؟
فقالوا: في هذه السنة في شهر كذا.
فشاور الملك أهل الرأي كيف التحرّز منه، فأشار عليه أهل الدين و الورع و المتألهون بأن يخرج و أهل المدينة كلهم إلى خارج المدينة، فيدعون اللّه أن يصرف عنهم ما أخبرهم به المنجمون مما يخافون و يحذرون. فقبل الملك مشورتهم و خرج في ذلك الشهر الذي يخافون كون الحوادث فيه، و خرج معه أكثر أهل المدينة فدعوا اللّه أن يصرف عنهم ما يخافون، و باتوا تلك الليلة على حالهم. و بقي قوم في المدينة لم يكترثوا لما أخبرهم به المنجمون، و ما خافوا و ما حذروا منه. فجاء بالليل مطر عظيم و سيل العرم. و كان بناء المدينة في مصبّ الوادي، فهلك من كان في المدينة بائتا، و نجا من كان قد خرج و كان بائتا في الصحراء. فمثل هذا يندفع من قوم و يصيب قوما.
و أما الذي لا يندفع و ما لا بد منه، و لكن يجعل اللّه لأهل الدعاء و الصدقة و الصلاة و الصيام في ذلك خيريّة و صلاحا، كما فعل بقوم نوح. فمن آمن منهم نجا، و جعل لهم خيريّة في ذلك، كما ذكر اللّه تعالى بقوله: «فَأَنْجَيْناهُ وَ الَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَ أَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ».
و أما متفلسفوكم الطبيعيون و المنطقيون و الجدليون، فإنهم عليكم لا لكم.
قال الإنسي: و كيف ذلك؟
قال: لأنهم هم الذين يضلّون بني آدم عن المنهاج المستقيم و صواب الطريق و الدين و أحكام الشرائع بكثرة اختلافهم و فنون آرائهم و مذاهبهم و مقالاتهم، و ذلك أن منهم من يقول بقدم العالم، و منهم من يقول بقدم الهيولى، و منهم من يقول بقدم الصورة، و منهم من يقول بعلّتين اثنتين، و منهم من يقول بثلاث، و منهم من يقول بأربع، و منهم من قال بخمس، و منهم من