رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٤٢ - فصل
فصل
قال حكيم الجن: اعلم أيها الملك أن اسم الملوك مشتق من اسم الملك و اسم الملك من أسماء الملائكة. و ذلك أنه ما من جنس من هذه الحيوانات، و لا نوع منها، و لا شخص، و لا كبير، و لا صغير إلّا و قد و كلّ اللّه تعالى به ملائكة تربيه و تحفظه و تراعيه في جميع تصرفاته، و هي أشد رحمة و رأفة و تحنّنا و شفقة من الوالدات لأولادها الصغار و نتاجها الضعيفة.
قال الملك الحكيم: و من أين للملائكة هذه الرحمة و الرأفة و التحنن و الشفقة التي ذكرت؟
قال: من رحمة اللّه تعالى و رأفته بخلقه و شفقته و تحننه على بريته. و كل رحمة و رأفة من الملائكة و من الوالدات و الآباء و الأمهات، و رحمة الخلق بعضهم على بعض، فهي جزء من ألف ألف جزء من رحمة اللّه تعالى و رأفته بخلقه و شفقته و تحننه على عباده.
و من الدليل على صحة ما قلنا و حقيقة ما وصفنا ان ربهم لما أبداهم و أبدعهم و خلقهم و سوّاهم، و تمّمهم و رباهم، و كلّ بحفظهم الملائكة الذين هم صفوته من خلقه، و جعلهم رحماء كرماء بررة. و خلق لهم المنافع و المرافق في طريق الهياكل العجيبة، و الصور و الأشكال الطريفة، و الحواس الدرّاكة اللطيفة. و ألهمهم دفع المضارّ، و جرّ المنافع. و سخّر لهم الليل و النهار، و الشمس و القمر و النجوم مسخّرات بأمره، ألا له الخلق و الأمر، و يدبرهم في الشتاء و الصيف، في البر و البحر، و السهل و الجبل. و خلق الأقوات من الشجر و النبات متاعا لهم إلى حين، و أسبغ عليهم نعمته ظاهرة و باطنة. و لو عددت لما أحصيت، و كل هذه دلالة و براهين على شدة رحمة اللّه و رأفته و تحننه و شفقته على خلقه.