رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٤٠ - فصل
ذكرت و افتخرت به، أن منكم الملوك و الرؤساء، و لهم أعوان و جنود و رعيّة. أما علمت بأن لجماعة النحل و لجماعة النمل و لجماعة الطيور و لجماعة السباع رؤساء و أعوانا و جنودا و رعيّة، و أن رؤساءها و ملوكها أحسن سياسة، و أشد رعاية من ملوك بني آدم بها، و أشد تحننا عليها، و رأفة بها، و شفقة عليها؟
بيان ذلك أن أكثر ملوك الإنس و رؤسائها لا ينظرون في أمر الرعية و جنودهم و أعوانهم إلّا لجرّ منفعة منها، أو دفع مضرّة عنها، أو إلى نفس من يهواه لشهواته كائنا من كان، قريبا أو بعيدا، و لا يفكر بعد ذلك في وحد، و لا يهمه أمره كائنا من كان من قريب أو بعيد.
و ليس هذا من فعل الملوك و الفضلاء، و لا عمل الرؤساء ذوي السياسة الرحماء، بل من سياسة الملك و شرائطه، و خصال الرئاسة أن يكون الملك و الرئيس رحيما رءوفا برعيته، مشفقا متحننا على جنوده و أعوانه، اقتداء بسنّة اللّه تعالى الجواد الكريم، الرؤوف الرحيم لخلقه و عباده كائنا من كان، الذي هو رئيس الرؤساء، و ملك الملوك. و ملوك أجناس الحيوانات و رؤساؤهم هم بسنّة اللّه تعالى أحسن اقتداء من ملوك الإنس و رؤسائهم.
و ذلك أن ملك النحل ينظر في أمر رعيته، و يتفقّد أحوالهم و أحوال جنوده و أعوانه، لا لهوى في نفسه و شهواتها، و جرّ المنفعة إليها، و دفع المضرّة عنها، أو إلى نفس من يهواه لشهواته، بل يفعل ذلك رأفة و رحمة لرعيته و شفقة و تحننا لهم، و على جنوده و أعوانه. و هكذا يفعل ملك النمل، و ملك الكركيّ[١] في حراسته و طيرانه، و ملك القطا في وروده و صدوره.
و هكذا حكم سائر الحيوانات التي لها رؤساؤها و مديروها، لا يطلبون من رعاياهم عوضا و لا جزاء فيما يسوسونهم، كما لا يطلبون من أولادهم برّا و لا
[١] -الكركي: طائر كبير أغبر اللون أبتر الذنب، طويل العنق و الرجلين.