رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٢٠ - فصل
الجبلّة، و ما شاكل هذه من ألوان العذاب و العقوبات المؤلمات للأنفس و الأرواح و الأجساد.
كل ذلك أصابكم لمّا عصيتم ربكم و تركتم طاعته و نسيتم وصيته. فإن أول الناس آدم «و عصى آدم ربه فغوى» «إن الإنسان كان ظلوما جهولا» و نحن بمعزل عن هذه كلها. فمن أين زعمتم أنكم أرباب و نحن عبيد، لو لا الوقاحة و المكابرة، و قلة الحياء؟ و أنتم ما دمتم في الحياة صحيحي البدن، ففي تعب و كد لتحصيل الالتماسات و المشتهيات. و ما دمتم مرضى ففي عقوبة و حسرة، و بعد الموت في العقاب و العذاب و الخطاب و وقوف الحساب. و نحن فارغون من هذه الجملة، فمن الموالي، و من العبيد منا و منكم؟
قال الإنسي: قد يصيبكم، يا معشر الحيوان، من الأمراض مثل ما يصيبنا، ليس يخصّنا دونكم.
قال زعيم الطيور: إنما يصيب ذلك من يخالطكم منا من الحمام و الديك و الدجاج و البهائم و الأنعام، أو من هو أسير في أيديكم، ممنوع عن التصرّف برأيه في أمر مصالحه. فأما من كان منّا مخلّى برأيه و تدبيره لمصالحه و سياسته و رياضته لنفسه، فقلّ ما تعرض له الأمراض و الأوجاع. و ذلك أنها لا تأكل و لا تشرب إلّا وقت الحاجة، بقدر ما ينبغي، من أجل ما ينبغي من لون واحد، قدر ما يسكّن ألم الجوع، ثم تستريح و تنام و تروض، و تمنع نفسها من الإفراط في الحركة، و السكون في الشمس الحارة أو في الظلال الباردة، أو السكون في البلدان الغير الموافقة لطباعها، أو أكل المأكولات غير الملائمة لمزاجها.
فأما الذي يخالطكم من الكلاب و السنانير، و من هو أسير في أيديكم من البهائم و الأنعام، ممنوع من التصرّف برأيه في مصالحه، في أوقات ما تدعوها طباعها المركوزة في جبلتها، و تطعم و تسقى في غير وقته، أو غير ما تشتهي، أو من شدّة الجوع و العطش تأكل أكثر من مقدار الحاجة، و لا