رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣١١ - فصل
و معرفة هندسة، كأنها أنابيب مجوّفة مسدّسة. ثم كيفيّة ترتيبها البوّابين و الحجّاب و الحرّاس و المحتسبين، و كيف تذهب إلى المرعى أيام الربيع و ليالي القمر في الصيف، و كيف تجمع الشمع بأرجلها من ورق الأشجار، و العسل بمشافيرها من زهر النبات. ثم كيف تخزنها في بعض البيوت، و كيف تشد رأسها كأنها رءوس البراقي مشدودة بالقراطيس. و كيف تبيض في بعض البيوت و تحضن و تفرخ؛ و كيف تأوي في بعض البيوت، و تنام فيها أيام الشتاء و الصيف و البرد و الرياح و الأمطار. و كيف يقتاتون من ذلك العسل المخزون هي و أولادها يوما بيوم، لا إسرافا و لا تقتيرا، إلى أن تنقضي أيام الشتاء، و تجيء أيام الربيع و ينبت العشب، و يطيب الزمان، و يخرج النبات و الزهر و النّور، و كيف ترعى كما كانت عام أول، و ذلك دأبها من غير تعليم من الأستاذين، و لا تأديب من المعلمين، و لا تلقين من الآباء و الأمّهات، بل تعليما من اللّه تعالى، و وحيا إلهاما و إنعاما و تكرّما و تفضّلا علينا. و أنتم يا معشر الإنس تدّعون علينا بالرقّة و أنتم موالينا، فلم ترغبون في فضائلنا و تفرحون عند وجداننا، و تستشفون عند تناولنا؟ فمن كان ملكا كيف يحرص و يرغب في فضالة الخدم و الخول؟ و نحن مستغنون عنكم، فليس لكم سبل إلى هذه الدعوات، إذ الدعوى زور و بهتان.
و أيضا، أيها الملك، لو علم الإنسي من حال النمل، و كيف تتخذ القرية تحت الأرض منازل و بيوتا و أزقة و دهاليز و غرفا و طبقات منعطفات؛ و كيف تملأ بعضها حبوبا و ذخائر و قوتا للشتاء؛ و كيف تجعل بعض بيوتها منخفضا مصونا، كي لا تجري إليها المياه، و بعضها مرتفعا. تخبئ الحبّ و القوت في بيوت منعطفات إلى فوق، حذرا عليها من المطر، و إذا ابتل منها شيء كيف تنشره أيام الصحو و كيف تقطع حب الحنطة نصفين، و كيف تنشر الشعير و الباقلّاء و العدس، لعلمها بأنه لا ينبت مع التقشير، و تراها كيف تعمل أيام الصيف ليلا و نهارا باتخاذ البيوت و جمع الذخائر.