رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٧٩ - فصل
فصل
فقال: الحمد للّه رب العالمين، و العاقبة للمتّقين، و لا عدوان إلا على الظالمين، و صلى اللّه على محمد و آله الطيبين، و الحمد للّه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الحنّان المنّان، ذي الجلال و الإكرام، ذي الفضل و الإنعام، الذي كان قبل الأماكن و الأزمان، و الجواهر و الأكوان، ذوات الكيان. ثم بدأ و اخترع، و أخرج من مكنون غيبه نورا ساطعا، و من النور نارا[١] أجاجا، و بحرا من الماء رجراجا، و جمع بين الماء و النار، و كان دخانا مورّدا، و زبدا ملبّدا. فخلق من الدّخان السماوات المسموكات، و من الزبد الأرضين المدحوّات، و ثقّلها بالجبال الراسيات، و حفر البحار الزاخرات، فأرسل الرياح الذاريات بتصاريفها في الجهات، و أثار من البحار البخارات المتصاعدات، و من الأرضين الدّخانات المعتكرات، و ألّف منها الغيوم و السحائب المنشآت، و ساقها بالرياح إلى البراري و القفار و الفلوات، و أنزل منها القطر و البركات، و أنبت العشب و النبات متاعا لنا و لأنعامنا[٢].
و الحمد للّه الذي خلق من الماء بشرا، و خلق منها زوجها ليسكن إليها، و بث منهما رجالا كثيرا و نساء، و بارك في ذرّيتهما، و سخر لهما في البر و البحر متاعا إلى حين. ثم إنهم بعد ذلك لميّتون، ثم إنهم يوم القيامة يبعثون.
و الحمد للّه الذي خصّنا بأوسط البلاد مسكنا، و أطيبها هواء و نسيما و تربة، و أكثرها أنهارا و أشجارا و ثمارا، و فضّلنا على كثير من عباده تفضيلا. فله الحمد و المنّ و الثناء، إذ خصّنا بذكاء النفس، و صفاء الأذهان، و رجحان العقول. فنحن بهدايته استنبطنا العلوم الغامضة، و برحمته استخرجنا الصنائع البديعة، و عمرنا البلاد، و حفرنا الأنهار، و غرسنا الأشجار، و بنينا
[١] -النار: مؤنثة، و قد تذكر كما هي هنا. اجاجا: ملتهبا.
[٢] -الانعام: الابل.