رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٨٠ - فصل
البنيان، و دبّرنا الملك و السياسة، و أوتينا النبوة و الرسالة. فمنا نوح النبي، ٧، و إدريس الرفيع، و إبراهيم خليل الرحمن، و موسى الكليم، و عيسى المسيح، و محمد المصطفى، عليهم صلوات اللّه و تحياته. و منّا كانت الملوك الفاضلة، مثل أفريدون النبطي، و سليمان بن داود الإسرائيلي، و منوجهر الحريري، و دارا التميمي، و تبّع الحميري، و أردشير بن بابكان الفارسي، و بهرام، و أنوشروان، و بزرجمهر بن تختان و ملوك الطوائف من آل ساسان و بني سامان الذين شقّوا الأنهار، و أمروا بغرس الأشجار، و بنيان المدن و القرى، و دبّروا الملك و السياسة و الجنود و الرعية، فنحن لبّ الناس، و الناس لب الحيوان، و الحيوان لبّ النبات، و النبات لبّ المعادن، و المعادن لبّ الأركان. فنحن لب أولي الألباب، فلله الحمد و المنّة، و له الشّكر و الثناء، و إليه المصير بعد الهرم. و أقول قولي هذا، و أستغفر اللّه لي و لكم.
ثم قال الملك لمن كان حاضرا من حكماء الجن: ما تقولون فيما قال الإنسي من الأقاويل في ما ذكر من فضائلهم، و افتخر به؟
قالوا: صدق في ما قال.
و تكلم غير واحد من حكماء الجن كان يقال له صاحب العزيمة و الصرامة، فإنه ما كان يحابي أحدا، و إذا تكلم واحد و كان على خطئه و زلّته، رده عن غيّه و ضلالته. فقال: يا معشر الحكماء، اعلموا أن هذا الإنسي قد ترك شيئا لم يذكره في خطبته، و هو ملاك الأمر و عمدته.
فقال الملك: و ما هو؟
قال: لم يقل: و من عندنا خرج الطّوفان، فغرّق ما على وجه الأرض من النبات و الحيوان، و في بلادنا اختلفت الألسن، و تبلبلت العقول، و تحيرت الألباب. و منّا كان نمرود الجبار، و نحن طرحنا إبراهيم في النار.