رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٥٢ - فصل
|
من حبّة الزّرّاع في العقار |
سبعون ضعفا كيل بالمقدار |
|
|
مواهبا من واحد غفّار، |
فاعتبروها يا أولي الأبصار |
|
و آتوا حقّه يوم حصاده، و لا تغدوا تخافتون[١]، على حرد[٢] قادرين، الّا يدخلنّها اليوم عليكم مسكين. من يزرع اليوم خيرا يحصده غدا غبطة، و من يغرس معروفا يجن غدا ربحا. الدنيا كالمزرعة، و العالمون من أبناء الآخرة كالحرّاث، و أعمالهم كالزرع و الشجر، و الموت كالحصاد، و القبر كالبيدر، و يوم البعث كأيام الدّراس، و أهل الجنة كالحبّ و الثّمار، و أهل النار كالتّبن و الحطب، و يومئذ يميّز اللّه الخبيث من الطيب، و يجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنّم، و ينحّي الذين اتّقوا بمفازتهم، لا يمسّهم السّوء و لا هم يحزنون.
و أما البلبل الحاكي فهو ذلك القاعد على غصن تلك الشجرة، و هو الصغير الجثّة، السريع الحركة، الأبيض الخدّين، الكثير الالتفات يمنة و يسرة، الفصيح اللسان، الجيّد البيان، كثير الألحان، يجاور بني آدم في بساتينهم، و يخالطهم في مساكنهم، و يكثر مجاوبتهم في كلامهم، و يحاكيهم في نغماتهم، و يعظهم في تذكاره لهم، فهو القائل لهم عند لهوهم و غفلاتهم: سبحان اللّه كم تلعبون، سبحان اللّه كم تحكمون، سبحان اللّه الّا تسبّحون، سبحان اللّه أ ليس للموت تولدون، أ ليس للبلاء تربّون، أ ليس للخراب تبنون، أ ليس للفناء تجمعون؟ كم تلعبون، و كم تولعون، أ ليس غدا تموتون، و في التراب تدفنون؟
«كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ» يا ابن آدم «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ، أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ». ثم
[١] -تتخافتون: تتسارّون.
[٢] -حرد: منع للفقراء.