رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٧٤ - فصل
و الرياح و العواصف و الغبار و ما شاكل هذه الأشياء المضرّة بها، لأنها تخرج رطبة نديّة رخصة رخوة، فإذا استحكمت و اشتدّت انشقّت تلك الأكمام و الغلف عنها و ظهرت لنسيم الهواء و حرارة الجوّ لتربو و تسمن، و تنضجها حرارة الشمس، و تصير بسرا[١] و رطبا[٢] جنيّا هضيما[٣]، ثم تجفّ و تصير تمرا و دبسا جامدا.
و أما النّساجة الحريريّة التي على نواه فجعلت حاجزة بين جرم النواة و دبس التمرة، لئلا يمتصّ عفوصة جرم النواة و غلظ جوهرها دبس التمر و شيرجها، لأن من طبع جواهر الأجسام الأرضيّة أن تشرب نداوة الرّطوبات الرقيقة الدهنيّة و تمتصّها. فلو لم تجعل تلك الغشاوة الرقيقة الحريريّة النسج هناك لاختلط دبس التمرة مع جرم نواتها، و قلّ الانتفاع بها.
و أما الحفرة المستطيلة في جرم نواة التمرة و الفتيلة التي فيها فإنما جعلت تلك لكيما تجري فيها تلك الموادّ من أولها إلى آخرها و تجمد أولا فأولا.
و أما النّقرة التي على ظهره النواة فإنما جعلت تلك بابا و مخرجا عند الغرس، و من هناك يخرج العرق النازل في الأرض ليجذب الموادّ و يمتصّ النداوة و الرطوبة من المغرس و من هناك تخرج الطاقة[٤] المورقة التي تبدو أولا و تظهر من الأرض عند الغرس، ثم تصير أصلا و جذعا على مرور الأيام و طول الزمان.
و أما الأقماع التي على رءوس التمرات فجعلت تلك مصفاة للموادّ التي
[١] -البسر: التمر قبل إرطابه عند ما يعظم البلح.
[٢] -الرطب: نضيج البسر.
[٣] -هضيما: أي منضما في جوف وعائه، أي غشائه، و يقال له الجف بالضم.
[٤] -الطاقة، الحزمة او الشعبة.