التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٣ - الفصل الثالث في بيان الوجه في إعجاز القرآن
خطأ، فإنّ مثل هذا لا يدرك بالعقل، أعني تميّزه بحسن النظم عن حسن البلاغة و الفصاحة، و أيضا فإنّ ما ذكروه تحكّم لا مستند له عقلا و لا نقلا، و أيضا فإنّا نقول: هل يكون النظم وجها في الإعجاز مع ضمّ البلاغة و الفصاحة إليه، أو يكون وجها من دونهما، فإن قالوا بالأول فهو جيّد، و لكن لم قصروه على النظم وحده و لم يضمّوهما إليه، و إن قالوا: إنّه يكون منفردا بالإعجاز من دونهما، فهذا خطأ أيضا، فإنّ نظم القرآن لو انفرد عن بلاغته و فصاحته لم يكن معجزا بحال.
المذهب التاسع: مذهب من قال: إنّ وجه إعجازه إنّما هو مجموع هذه الأمور كلّها، فلا قول من هذه الاقاويل إلّا هو مختصّ به، فلا جرم جعلنا الوجه في إعجازه مجموعها كلّها، و هذا فاسد، فإنّا قد أبطلنا رأي أهل الصّرفة، و زيّفنا كلامهم، فلا وجه لعدّه من وجوه الإعجاز، و هكذا، فإنا قد أبطلنا قول من زعم ان الوجه في اعجازه اشتماله على الإخبار بالأمور الغيبيّة، و أبطلنا قول أهل الأسلوب و غيره من سائر الأقاويل، فلا يجوز أن تكون معدودة في وجوه الإعجاز، لأنّ الأمور الباطلة لا يجوز أن تكون عللا للأحكام الصحيحة، و من وجه ثان و هو أنّ الفصاحة و البلاغة إذا كانتا حاصلتين فيه فهما كافيتان في الإعجاز، فلا وجه لعدّ غيرهما معهما.
المذهب العاشر: أن يكون الوجه في إعجازه إنّما هو ما تضمّنه من المزايا الظاهرة و البدائع الرائقة في الفواتح، و المقاصد، و الخواتيم في كلّ سورة؛ و في مبادئ الآيات، و فواصلها، و هذا هو الوجه السديد في وجه الإعجاز للقرآن كما سنوضّح القول فيه بمعونة اللّه تعالى، فهذا ما أردنا ذكره من المذاهب في الوجه الذي لأجله صار القرآن، معجزا للخلق كلّهم.
المبحث الثالث: في بيان المختار من هذه الأقاويل.
و الذي نختاره في ذلك ما عوّل عليه الجهابذة من أهل هذا الصناعة الذين