التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩١ - الفصل الثالث في بيان الوجه في إعجاز القرآن
ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ. أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَ يَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ[١] و بين قول من قال: و أعظم العلامات الباهرة جري السّفن على الماء، فإمّا أن يريد هبوب الريح فتجري بها، أو يريد سكون الريح فتركد على ظهره، أو يريد إهلاكها بالإغراق بالماء لأنّ ما هذا حاله من المعارضة سالم عن التعقيد، فكان يلزم أن يكون هذا الكلام معارضا للآية، لاشتراكها في الخفّة و البراءة عن الثقل و التعقيد.
و من وجه ثالث: و هو أنّه كان يلزم أن لا يقع تفاوت بين قوله تعالى:
وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ و بين قول العرب (القتل أنفى للقتل) لاشتراكهما جميعا في السلامة عن الثقل و هذا فاسد.
المذهب السادس: قول من زعم أن الوجه في الإعجاز إنّما هو اشتماله على الحقائق و تضمّنه للأسرار و الدقائق التي لا تزال غضّة طريّة على وجه الدهر، ما تنال لها غاية، و لا يوقف لها على نهاية، بخلاف غيره من الكلام، فإنّ ما هذا حاله غير حاصل فيه، فلهذا كان وجه إعجازه، و هذا فاسد أيضا لأمرين:
أمّا أوّلا: فلأنّ الأصل في وجه الإعجاز أن يكون القرآن متميّزا به لا يشاركه فيه غيره، و ما ذكرتموه من هذه الخصلة فإنّها مشتركة، و بيانه هو أنّا نرى بعض من صنّف كتابا في العلوم الإسلامية و اعتنى في قبصه[٢] و اختصاره، فإنّ من بعده لا يزال يجتني منه الفوائد في كلّ وقت و يستنبطها من ألفاظه و صرائحه كما نرى ذلك في الكتب الأصولية و الكتب الدينيّة و الفقهيّة، و سائر علوم الاسلام، و إذا كان الامر كما قلناه، وجب الحكم بإعجازها و هم لا يقولون به.
و أمّا ثانيا: فلأنّ قوله تعالى: وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ[٣]، و قوله تعالى:
[١] الشورى: ٣٢- ٣٤.
[٢] في جمعه.
[٣] البقرة: ١٦٣.