التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٠ - الفصل الثالث في بيان الوجه في إعجاز القرآن
المناقضة و الاختلاف معجزا، لمّا كان معتادا، و من حقّ ما يكون معجزا أن يكون ناقضا للعادة.
و أيضا فإنّا نقول: جعلكم الوجه في إعجازه خلوّه عن المناقضة و الاختلاف ليس علما ضروريا، بل لا بدّ فيه من إقامة الدلالة، فيجب على من قال هذه المقالة تصحيحها بالدلالة، لتكون، مقبولة، و هم لم يفعلوا ذلك.
المذهب الرابع: قول من زعم أنّ الوجه في الإعجاز اشتماله على الامور الغيبيّة بخلاف غيره، و هذا فاسد أيضا لأمرين:
أمّا أوّلا: فلأنّ الإجماع منعقد على أنّ التحدّي واقع بجميع القرآن، و المعلوم أنّ الحكم و الآداب و سائر الأمثال ليس فيها شيء من الامور الغيبيّة، فكان يلزم على هذه المقالة أن لا يكون معجزا و هو محال.
و أمّا ثانيا: فلأنّ ما قالوه يكون أعظم عذرا للعرب في عدم قدرتهم على معارضته، فكان من حقّهم أن يقولوا: إنّا متمكّنون من معارضة القرآن، و لكنه اشتمل على ما لا يمكننا معرفته، من الأمور الغيبيّة، فلمّا لم يقولوا ذلك دلّ على بطلان هذه المقالة.
المذهب الخامس: قول من زعم أنّ الوجه في الإعجاز هو الفصاحة، و فسّر الفصاحة بسلامة ألفاظه عن التعقيد الحاصل في مثل قول بعضهم:
|
و قبر حرب بمكان قفر |
و ليس قرب قبر حرب قبر |
|
و هذا فاسد لأمرين:
أمّا أوّلا: فلأنّ أكثر كلام الناس خال عن التعقيد في الشعر، و الخطب، و الرسائل، فيلزم كونها معجزة.
و أمّا ثانيا: فلأنّه لو كان الأمر كما زعموه لم يفترق الحال بين قوله تعالى:
وَ مِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى