التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٤ - ٩ - كلام القطب الراوندي
أقصر سورة فيه إنّما هي الكوثر[١]، و فيها إعجاز من جهتين: أحدهما: أنّه قد تضمّن خبرا عن الغيب قطعا قبل وقوعه، فوقع كما أخبر عنه من غير خلف فيه، و هو قوله: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ[٢] لما قال قائلهم: أنّ محمدا رجل صنبور[٣] فإذا مات انقطع ذكره، و لا خلف له يبقى به ذكره، فعكس ذلك على قائله، و كان كذلك.
و الثاني من طريق نظمه، لأنّه على قلّة عدد حروفه، و قصر آية، يجمع نظما بديعا، و أمرا عجيبا، و بشارة للرسول، و تعبّدا للعبادات، بأقرب لفظ و أوجز بيان.
ثم أن السور الطوال متضمّنة للإعجاز من وجوه كثيرة نظما و جزالة و خبرا عن الغيوب، فلذلك لا يجوز أن يقال: انّ القرآن معجز واحد و لا ألف معجز، و لا اضعافه، فلذلك خطّأنا قول من قال: أنّ للمصطفى (صلى اللّه عليه و آله) ألف معجز أو ألفي معجز، بل يزيد ذلك عند الإحصاء على الألوف.
ثمّ الاستدلال في أن القرآن معجز، لا يتمّ إلّا بعد بيان خمسة أشياء:
أحدها: ظهور محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و ادعاؤه أنّه مبعوث الى الخلق و رسول إليهم.
و ثانيها: تحدّيه العرب بهذا القرآن الذي ظهر على يديه، و ادعاؤه أنّ اللّه أنزله عليه و خصّه به.
و ثالثها: أنّ العرب مع طول المدّة لم يعارضوه.
[١] ستوافيك رسالة الزمخشري في إعجاز سورة الكوثر بحثا مستوف كليا عن إعجاز القرآن أوّلا، و عن خصوص هذه السورة المباركة ثانيا ..
[٢] الكوثر: ٣.
[٣] الصنبور- كعصفور-: النخلة المنفردة من النخيل، و التي دقّت من أسفلها و انجرد كربها و قلّ حملها، ثم كنّي عن الرجل الضعيف الذليل، بلا أهل و لا عقب و لا ناصر.